جنوح الأحداث: منظومة تشريعية قاصرة وتأهيل مشوه يفرخان أصحاب سوابق جرمية

الرئيسية > المركز الاعلامي > الأخبار > جنوح الأحداث: منظومة تشريعية قاصرة وتأهيل مشوه يفرخان أصحاب سوابق جرمية
Printer Friendly, PDF & Email

اطفال يمثلون أمام محكمة أمن الدولة وآخرون محرومون من المساعدة القانونية
عمان- سرقة تذاكر دخول لمدينة العاب، كانت بوابة "فرج" لدخول عالم الجريمة، بعمر 9 سنوات، فيما تراكمت حصيلة قضايا سنوات عمره بعدها لتبلغ، وقبل ان يصل سن الرشد، 62 قضية.
فرج، البالغ اليوم 27 عاما، والذي أمضى غالبية سنوات طفولته في مراكز اصلاح وتأهيل الأحداث، يعد حاليا أحد أشهر لصوص المملكة، المتخصصين في سرقة السيارات والمنازل، حيث يستكمل حكما بالسجن لمدة 3 سنوات بتهمة السرقة.
حالة فرج تعكس واقع العديد من الأحداث الجانحين، ممن وقعوا في مستنقع الانحراف في سن مبكرة، نتيجة "ظروف اجتماعية" في الغالب، وفشل مراكز تأهيل الأحداث في تصويب سلوكيات زوارها من الاحداث الموقوفين والمحكومين، في وقت يرى فيه مختصون ان "تأهيل الحدث يتطلب إعادة تأهيل اسرته والبيئة التي ينتمي لها، كون الحدث في الاساس ضحية لواقعه الاجتماعي، قبل ان يكون جانحا".
والدة فرج روت لـ "الغد" كيف تحول ابنها من ضحية فقر وتفكك أسري وإساءة، إلى لص محترف، يحمل سجله الجرمي وأسبقياته 102 قضية، جميعها سرقات.
وتقول "تعرض ابني إلى أبشع انواع التعذيب على يد والده، الذي كان يدفعه للسرقة، بهدف شراء المشروبات الروحية"، مبينة أنه "في أي يوم لم يكن فيه فرج يجني مبلغا من المال يكفي لشراء الكحول، كان والده يحرقه بالسكاكين".
وتتابع "وجد فرج في السرقة وسيلة لتحقيق احتياجاته البسيطة، فكان يسرق ملابس العيد والألعاب، ومبالغ مالية بسيطة، وفي احيان اخرى كان يسرق لمساعدة اشخاص آخرين".
لم يكن فرج يخشى دور الأحداث، فهي بالنسبة له "أرحم من العيش في منزل والده"، كما تستذكر والدته، والتي تشير الى احدى جمل ابنها، عندما قال لها في احدى المرات "على الاقل في دور الأحداث استطيع ان ألعب بالكرة".
وتقر أم فرج بأنها لم تكن قادرة على مساعدة ابنها، فهي نفسها كانت ضحية للعنف الأسري، كما ان رفض اسرتها لاستقبال فرج لديها، بعد طلاقها من زوجها، جعل من امكانية رعايتها لأبنائها امرا مستحيلا.
قضية فرج واحدة من الحالات التي حصلت على خدمات المساعدة القانونية المجانية، التي تقدمها مجموعة ميزان لحقوق الإنسان عبر مشروع العدالة الجنائية للأحداث (نور).
مديرة مركز ميزان لحقوق الإنسان ايفا أبو حلاوة تقول إن قضية فرج "تشبه إلى حد كبير" قضايا الكثير من الأحداث، الذين "يتحولون من أطفال جانحين إلى جناة"، مبينة ان "عدم وجود منظومة للرعاية اللاحقة للاحداث، وعودة الحدث إلى ذات البيئة، التي كان ينتمي اليها دون معالجة مواطن الخلل، يعيد الحدث للانحراف".
المؤسسات ليست الحل المناسب لتأهيل الأحداث
وتوضح مسؤولة السياسات والتشريعات في المجلس الوطني لشؤون الاسرة الدكتورة حنان الظاهر ان الحدث يدخل دار الاحداث بجرم بسيط، "ويخرج مجرما محترفا، نتيجة للاحتكاك مع احداث آخرين، وانتقال العدوى الجرمية"، مشددة في هذا السياق على اهمية توفير تدابير غير سالبة للحرية لتصويب سلوك الحدث.
وتتفق قاضية الاستئناف، والخبيرة في قضايا الأحداث، سهير الطوباسي في ان "ارتفاع نسبة التكرار بين الأحداث مرده ان نظامنا ليس اصلاحيا للحدث".
وتشدد الطوباسي على ضرورة ان يأخذ العاملون في قضايا الأحداث، بمن فيهم القضاة، بأسباب اقتراف الحدث للجرم، وجذور المشكلة، وليس الجرم بحد ذاته فقط.
وفي هذا الشأن، تقول أبو حلاوة "نحن نحاسب الحدث على جنوحه، لكننا لا نؤمن له احتياجاته المادية والنفسية، التي تضمن عدم عودته للجنوح".
دراسة اعدتها مديرية الدفاع الاجتماعي في وزارة التنمية الاجتماعية بينت ان 82 % من الأحداث الجانحين يأتون من أسر طبيعية، لكن "خروجهم عن القانون والأعراف الاجتماعية، يأتي نتيجة لضعف مستوى تقبل آباء هؤلاء الاحداث وأمهاتهم لهم، ما يجعلهم اقل تعلقا بأسرهم، واقل اعتقادا بالمعايير الاجتماعية الضابطة لسلوكهم".
كما تتسم أسر الأحداث الجانحين، بحسب الدراسة، بكبر حجمها، وإقامتها في الأحياء الحضرية المزدحمة بالسكان والمساكن، وانخفاض مستوى دخلها، وتسلط أربابها على بقية أعضائها. فضلا عن تأثر قضايا بعضهم بأنماط تفكك أسرهم، المتمثلة في طلاق آبائهم، وزواج آبائهم من أخريات. وزواج آبائهم وأمهاتهم ايضا بعد الطلاق. وتعاطي احد والديهم (آبائهم غالباً) للكحول.
نظام الاحتجاز في دور الاحداث ما يزال يشكل مسألة جدلية بين القانونيين والاجتماعيين، وان كان اعتماد الاحتجاز كوسيلة لتصويب السلوك لدى الأحداث هو الأنسب. وتبين الطوباسي ان "وضع الحدث في دار تربية وتأهيل للاحداث لا يحل المشكلة"، لافتة إلى أهمية ايجاد بدائل للاحتجاز، خصوصا ان إخراج الحدث عن بيئته الطبيعية يضره ويضر تشكيل شخصيته.
وتتابع ان مكان الطفل الطبيعي هو بين اسرته، والأصل ان يتم الإصلاح السلوكي للحدث في محيط الأسرة، وان لا يشمل الاصلاح الطفل فقط، بل الاسرة والمحيطين به.
وتشدد الطوباسي في هذا السياق على مبدأ الرعاية اللاحقة للحدث بعد تخرجه من دار الأحداث، لضمان عدم انحرافه وتكرار الفعل الجرمي، وتوفير إشراف قضائي لتلك الرعاية اللاحقة. التدابير غير السالبة للحرية والرعاية اللاحقة، منهجان اساسيان، يعتمدهما مشروع قانون الأحداث المنظور حاليا في ديوان التشريع والرأي برئاسة الوزراء، والذي تعول عليه وزارة التنمية الاجتماعية وناشطون في حقوق الإنسان والطفل كثيرا، لتحقيق نقلة نوعية في عدالة الاحداث.
ويأمل وزير التنمية الاجتماعية وجيه عزايزة أن يتم اقرار القانون قريبا، ويقول لـ "الغد" إن "مشروع القانون بحث واقر في ديوان التشريع، ومن المتوقع ان يتم ادراج القانون على جدول الدورة الاستثنائية الثانية لمجلس الامة" بعد عيد الفطر.
ويعتبر عزايزة أن مشروع القانون يجسد نهج العدالة الإصلاحية، القائمة على تحويل قضايا الأطفال المتهمين والمدانين بخرق القانون إلى خارج إطار نظام العدالة الجنائي، بحيث سيعمل على التوسع في استعمال العقوبات غير السالبة للحرية.
وترى أبو حلاوة ان "اهمية مشروع القانون تكمن في انه يجمع بين إنصاف الضحية والعدالة الاصلاحية، وبما يضمن تحقيق المصلحة الفضلى للطفل".
دراسة حديثة، أجرتها جامعة كولومبيا بالتنسيق مع وزارة التنمية الاجتماعية، وحصلت "الغد" على نسخة منها، تناولت الوضع النفسي للأطفال في مراكز التأهيل والرعاية، حيث كشفت عن أن اكثر من 23 % من الأحداث فكروا بالانتحار، وان حوالي 87 % منهم يعانون من الاكتئاب الشديد، 64 % منهم تعرضوا لصدمات نفسية عنيفة، في وقت تبلغ فيه معدلات الاكتئاب عند المراهقين  4 إلى 8 % فقط.
ذات الدراسة، التي اجريت على عينة من 194 يافعا ويافعة في دور الأحداث، بينت كذلك أن 16 % منهم يمارسون سلوك ايذاء الذات، و84 % منهم مدخنون، في حين بلغت نسبة المتسربين منهم من المدارس حوالي 70 %.
من جهتها توضح الظاهر ان مشروع القانون خرج عن النهج القانوني، إلى النهج الاجتماعي الاصلاحي لقضايا الأحداث، بما يكفل المصلحة الفضلى للحدث.
وتبين أن القانون يوفر، كذلك، تدابير غير سالبة للحرية، لتصويب سلوك الحدث في الجنح، كالتوبيخ والتسليم للوالدين، والزام الحدث بالخدمة للمنفعة العامة، والتدريب المهني للفئة العمرية من 16 إلى 18 عاما.
وتلفت إلى ان مشروع القانون يتضمن بندا عن الرعاية اللاحقة للحدث، بما يضمن اندماجه بالمجتمع، وعدم عودته للجنوح.
وتتابع انه دعا ايضا إلى وضع نظام للرعاية اللاحقة، يتضمن توفير اخصائي اجتماعي، لمتابعة الحدث بعد التخرج وعقد جلسات تأهيل للأسرة قبل خروج ابنها من مركز الرعاية.
وتكمن أبرز عيوب قانون الأحداث الحالي، المعمول به منذ العام 1968، في انه لا يشترط توفير محام للحدث، سواء في مرحلة التحقيق أو المحاكمة، وهو الامر الذي يعد من الشروط الاساسية للمحاكمة العادلة.
وتبين الطوباسي ان القانون الحالي "لا يلزم بتوكيل محام للحدث، حتى في الجنايات الكبرى، كالقتل، وبذلك يكون الحدث خارج إطار المساعدة القانونية".
القانون الحالي يشترط تواجد ولي امر الحدث، او محام او مراقب سلوك أثناء المحاكمة، في وقت تعزف فيه غالبية الاهالي، عن تعيين محام لأبنائهم.
ويعزو عضو مشروع تطوير العدالة الجنائية للأحداث "نور"، احد مشاريع مجموعة ميزان لحقوق الإنسان، المحامي مجدي عزوقة، عزوف الاسر عن توكيل محامين لابنائهم إلى "سوء أحوال الاسرة المادية، أو الرغبة في اطالة مدة احتجاز الحدث في دور الأحداث، باعتباره سببا للمشاكل وعبئا على الاسرة، أو لعوامل اجتماعية، كتفكك الاسرة والطلاق بين الوالدين، واحيانا اخرى استغلال الأحداث من قبل اسرهم في اعمال غير قانونية".
قاصرون يمثلون امام امن الدولة
زيد (اسم مستعار)، حدث يبلغ من العمر 15 عاما، أدين امام محكمة امن الدولة، بتهمة حيازة المخدرات، وسجن عاما وأربعة شهور، وخضع للمحاكمة دون تعيين محام له.
تقول المحامية الهام أبو لبدة، من مشروع العدالة الجنائية للأحداث (نور)، والذي يقدم المساعدة القانونية المجانية، إن المشروع تقدم للدفاع عن زيد دون مقابل، لكن والدته رفضت ذلك بشدة.
رفض الأم، وهي الوصي الشرعي على زيد، الذي توفي والده قبل سنوات، جعل توكيل محام أمرا مستحيلا، خصوصا ان القانون الحالي يشترط توقيع ولي الامر على توكيل المحامي.
ويعتري الشك أبو لبدة، حول أسباب رفض الأم توكيل محام لابنها، في ظل صمت يسيطر على زيد، الذي يرفض الإفصاح عن حقيقة ما جرى معه، وتقول ابو لبدة "ربما قبضت الأم ثمن احتجاز ابنها، من قبل الاشخاص الذين استغلوا نجلها في المخدرات".
وحول مثول الأحداث أمام محاكم امن الدولة، تبين القاضية الطوباسي أن "الاصل ان يمثل الحدث أمام محكمة الأحداث، لكن في الحالات التي يكون فيها الحدث مشتركا في الجرم مع بالغ، فإنه يمثل أمام المحكمة المختصة، حتى لو كانت أمن الدولة أو الجنايات الكبرى، وحسب طبيعة الجرم".
وترى الطوباسي ان الاصل الفصل في القضايا، التي يشترك بها الحدث مع بالغ، حيث يجب ان ينظر في قضية الحدث امام قاضي الأحداث. وتبين ان الحدث الذي يشترك بالجرم مع بالغ يحرم من العديد من الميزات، التي يوفرها قانون الأحداث، اذ انه يخضع لمحاكمة عادية وعلنية، وليست سرية، كما حال قضايا لأحداث، في حين تبقى الميزة الوحيدة التي يحصل عليها وهي العقوبة المخففة.
وترى ان الحدث المشترك مع بالغ في جريمة "بحد ذاته ضحية"، خصوصا ان البالغ هو عادة ما يكون المسؤول وراء انحراف الطفل للجنوح.
وبحسب مجموعة ميزان، فإن "الحالات التي مثل بها قاصرون أمام محكمة أمن الدولة تتركز في قضايا المخدرات وتزوير العملة".
حالة زيد تعكس القصور في قانون الاحداث الحالي لجهتين، الاولى مثول طفل، يبلغ من العمر 15 عاما أمام محكمة عسكرية، والثاني الامتثال إلى رغبة الأم، بدلا من تحقيق مصلحة الطفل الفضلى، في توفير المساعدة القانونية أو توكيل محام دفاع.
وبخصوص ذلك، تعول الطوباسي على مشروع قانون الأحداث، الذي ينص على الفصل في القضايا، التي يشترك بها الحدث مع البالغ، بحيث يمثل الطفل امام محكمة الأحداث والبالغ أمام المحكمة المعنية.
اما الايجابية الثانية، وفقا للطوباسي، فهي وجوب وجود محام لتمثيل الطفل أمام المحكمة.
من جهتها، توضح الظاهر أنه حتى في الحالات، التي لا تستطيع فيها أسرة الحدث تعيين محام لابنها، فإنه يتم تسخير محام على نفقة الدولة، وفقا لقانون اصول المحاكمات، فضلا عن أن المشروع نص على وجود اخصائي اجتماعي خلال المحاكمة.
وتبين الظاهر ان للمحكمة "رهبة وأثرا نفسيا كبيرا" على الحدث، لذلك فوجود محام وأخصائي نفسي خلال محاكمة الحدث ضرورة لضمان المحاكمة العادلة للحدث.
لكن أبو حلاوة تبين أن "مسودة القانون الحالية لم تتضمن بنودا تفصيلية، تتعامل مع مسألة الوكالة، وكيفية تسخير المحامي، في حال رفض ولي الامر توقيع الوكالة".
الفتيات.. من ضحايا إلى جانحات
الفتيات الجانحات لا يشكلن سوى 3 % من مجموع اليافعين في مراكز الأحداث، ورغم ذلك فهناك خصوصية تميز هذه الفئة، باعتبارها الأكثر تأثرا ببيئتها المحيطة، التي غالبا ما تكون سببا في انحراف الفتيات واستغلالهن، كما ان نسبة منهن ضحايا لواقع اجتماعي صعب.
دعاء (اسم مستعار) لفتاة امضت 4 أشهر في دار احداث فتيات، ادينت بشهادة الزور، بعد أن رضخت لضغوطات والدها لتغيير اقوالها أمام المحكمة، في قضية هتك عرض.
وبحسب مصدر تعامل مع حالة دعاء (16 عاما)، فإن الفتاة تعرضت للاغتصاب من قبل شخصين، وتقدمت بشكوى، لكن نتيجة تعهد احد الجناة بالزواج منها بعد وساطات عائلية، رضخت دعاء للضغط الاجتماعي، وغيرت أقوالها امام المحكمة، لتنفي وقوع الاعتداء، الامر الذي حولها من ضحية إلى مجرمة.
دعاء تعيش الآن مع زوجها حاليا، ومغتصبها سابقا، بعد أن انهت محكوميتها بتهمة شهادة الزور، في وقت يبدي به ذات المصدر قلقا على ما ستؤول اليه حياة تلك الفتاة.
وتقول المحامية سماح الرحامنة، احدى محاميات مجموعة ميزان، والتي توكلت في عدد من قضايا الفتيات الجانحات، إن "ضغطا كبيرا تخضع له الفتيات من قبل اسرهن، لتغيير اقوالهن في قضايا الاغتصاب وهتك العرض، بعد تلقي الاسرة وعودا من المغتصب بالزواج من الفتاة، وفي بعض الاحيان تحصل عائلة الفتاة على مقابل مادي للتنازل عن القضية".
وتحذر الرحامنة من خطورة زواج الفتاة، تحديدا القاصر، من مغتصبها، والذي قد يستغلها بعد الزواج في اعمال الدعارة.
من جهتها، تبين الطوباسي ان الفتاة المغتصبة تخضع للضغط من قبل الاسرة، لتغيير اقوالها بعد الاتفاق على الزواج، لكن الفتاة غالبا لا تعلم ان تغيير الاقوال سيتسبب بإدانتها من قبل المحكمة بجرم شهادة الزور.
وتلفت الطوباسي إلى ان المأساة تتضاعف عندما يرفض الجاني الارتباط بالفتاة، بعد انتهاء محكوميتها، في حين يبقى حرا طليقا.
غالبية قضايا الفتيات الجانحات، إلى جانب شهادة الزور، تتركز في السرقة والايذاء، وبنسب اقل المخدرات والقتل والشروع بالقتل، بحسب الرحامنة، التي تبين ان "البيئة الاجتماعية للفتاة تشكل السبب الرئيسي للجنوح".
وتتابع "رغم ان مراكز الأحداث توفر برامج تأهيل سلوكية ونفسية للفتيات، فإن ذلك لا يمنع عوامل الانحراف بعد خروجهن"، معتبرة ان "عودتهن إلى السلوكيات الخاطئة مرده عدم وجود بديل لهن، لتصويب سلوكهن في المجتمع".
وتدعو الرحامنة إلى توفير برامج رعاية لاحقة للأحداث، تحديدا الفتيات منهم، واتخاذ اجراءات صارمة بحق الأسر التي تستغل بناتها في اعمال جرمية، وتوفير برامج تأهيل نفسية واجتماعية للأهل لضمان احتضان الفتيات في بيئة سليمة، تجنبهن عوامل الخطورة".
وترى ان "تحقيق ذلك يتطلب شراكة حقيقية مع مؤسسات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية، لمد يد العون لهذه الفئة من الفتيات، في ظل محدودية الخدمات التي توفرها الجهات الحكومية".
وفيما اذا كان مشروع قانون الأحداث يتضمن أي بنود خاصة للتعامل مع الفتيات الجانحات، تبين الظاهر أن "القانون يتعامل مع الاردنيين باعتبارهم سواسية، لذلك فمن غير الممكن أن يتضمن القانون نصوصا خاصة بالفتيات".
لكن الظاهر تلفت إلى ان القانون، بشكل عام، يحقق العدالة الاصلاحية، التي تضمن تأهيل الحدث، سواء كان ذكرا أم أنثى، وإعادة دمجه في مجتمعه بصورة تكفل نموه وتطوره السليمين، ليصبح مواطنا فاعلا في مجتمعه، بدلاً من أن يصبح مجرماً وعبئاً على المجتمع، معربة عن أملها في أن "يتم اقرار القانون سريعا، نظرا للاثر المهم له على الاجيال القادمة من الشباب".
مخاض طويل لإقرار القانون
ويبدو إقرار القانون حاجة ملحة، خصوصا انه بقي لسنوات مدار بحث ودراسة، الامر الذي يعكس انه تعرض لمخاض عسير، قد يكون أبرز اسبابه، أنه يعتمد على منهج الوساطة، وهو منهج جديد على النظام القضائي في الأردن.
وطرحت أول مسودة للقانون، وتم رفعها لديوان التشريع والرأي العام 2006، قبل ان يتم بعد عامين سحب المسودة لعدم تضمنه أحكاما شاملة وافية، واعيد إعداد المسودة العام 2009، وبقيت محط نقاش لثلاث سنوات، إلى أن تم اخيرا رفع المسودة النهائية إلى ديوان التشريع، بانتظار موافقة مجلس الوزراء عليها، وعرضها على مجلس الامة.
وتقول أبو حلاوة "لعل أحد أسباب التأخر في إقرار قانون الأحداث الجديد هو انه يتعلق بأحد أكثر الفئات ضعفا في المجتمع، وربما ذلك هو ما يجعل القانون غير ذي أهمية لدى البعض، فضلا عن كثرة التغييرات على وزراء التنمية الاجتماعية في الفترة الاخيرة، الامر الذي عطل من السير بعدد من المشاريع القانونية، إلى جانب اعتقاد البعض بأن للقانون كلفة مالية عالية". وتتطرق القاضية الطوباسي إلى أسباب اخرى، قادت إلى تأخير صدور القانون، أبرزها أن القانون يركز على منهج الوساطة الجزائية، وهو نهج غير معروف في النظام القضائي الاردني، موضحة ان "ذلك تطلب وقتا لإقناع كافة الأطراف بطبيعة القانون الجديد".
وتلفت الطوباسي، كذلك، إلى أن البعض رأى في القانون كلفة مرتفعة، خصوصا أنه يتضمن مطالب بتوفير قضاء متخصص، ونيابة عامة متخصصة، وشرطة متخصصة ومبان بتجهيزات خاصة وكادر وظيفي.
وتتابع "ان تطلب القانون كلفا عالية في البداية فإنه سيؤدي إلى وفر في المستقبل".
وبحسب الأسباب الموجبة للقانون، فإنه المتوقع ان يطرأ ازدياد متواضع في الإنفاق في السنوات الأولى لتطبيق القانون، ليتبعها توفير على المدى البعيد، كنتيجة لفلسفة برامج العدالة الاصلاحية.
ومن المتوقع ايضا ومع تطبيق العدالة الاصلاحية، أن يبدأ عدد الأحداث المودعين بالمراكز في الانخفاض، اذ يتوقع انخفاض عدد القضايا المنظورة في المحاكم وخفض النفقات بمعدل 50 %.
واستنادا لذات الدراسة، فإن الانخفاض له أثر واضح على كلف رعاية الأحداث في المؤسسات، إذ إن كلفة الحدث في مراكز التأهيل تبلغ 300 دينار شهرياً، واذا افترضنا ان هنالك حوالي 200 حدث في المراكز في أي وقت من السنة، فإن الكلفة الاجمالية للأحداث في الشهر الواحد تبلغ 60000 دينار، وسنوياً 720000 دينار.
ووفقا للدراسة، فإنه في حال انخفض عدد الأحداث المودعين إلى النصف، فمن المتوقع ان يكون الوفر السنوي على كلفة الأحداث في مؤسسات الرعاية فقط 254400 دينار.
ويوجد في المملكة خمسة مراكز للأحداث، منها أربعة للذكور في اربد والرصيفة وطبربور ومعان، ودار واحدة للفتيات في عمان.
الظاهر تبين أن "تكاليف إقرار القانون حاليا ستكون متواضعة، خصوصا أن القانون لا يستدعي توظيف كوادر جديدة للقضاء، والشرطة والتنمية الاجتماعية، وإنما يتطلب تخصيص هذه الكوادر للعمل مع الأحداث فقط". وزادت انه فيما يخص تأهيل وتدريب الكوادر، فإن مساقات العدالة الاصلاحية ستدخل ضمن البرامج التدريبية لأكاديمية الشرطة والمعهد القضائي وبرامج وزارة التنمية بدعم من المنظمات الدولية، فلا تترتب كلف اضافية.
وتلفت الظاهر إلى ان بنودا من القانون تم تطبيقها كإنشاء شرطة الأحداث.
وأنشأت مديرية الأمن العام إدارة شرطة الأحداث، التي باشرت عملها مطلع العام الحالي، حيث تلقت تمويلاً من منظمة الاصلاح الجنائي ومنظمات أخرى، حيث تم رصد مبلغ 50 ألف دولار من اليونيسيف للعام 2012 لتمكينها من القيام بالمهام الموكولة لها.
وتبين القاضية الطوباسي إن "شرطة الأحداث، ومنذ بدء عملها، عملت بنهج المصالحة وإنهاء القضية بالوساطة الجزائية، تحديدا في قضايا السرقة والإيذاء البسيط وإساءة الأمانة"، لافتة إلى ان "الادارة نجحت في حل عدد لا بأس به من القضايا".
وبحسب دراسة أجرتها مديرية الدفاع الاجتماعي في الوزارة، فإن أكثر الجرائم تكرارا بين الأحداث هي السرقة، إذ تقدر نسبتها  بـ 46 % من مجموع جرائم الاحداث.
وتؤكد الطوباسي إن اقرار القانون "حاجة ماسة حاليا" كونه يشكل الغطاء القانوني لعمل الإدارة، ويعطيها الصلاحية في تسوية عدد من القضايا، تحديدا الجنح والجنح البسيطة للأحداث، دون الحاجة للتوجه للقضاء.
اعداد الاحداث في دور الرعاية شهدت انخفاضا ملحوظا خلال الاعوام الماضية، اذ تراجع عددهم العام الماضي الى 2380، مقارنة بـ2897 العام الماضي، في وقت يعزى ذلك الى إجراءات المصالحة، التي يتم اتخاذها من خلال مكاتب الخدمة الاجتماعية في المراكز الأمنية.
وتعاملت هذه المكاتب خلال عامين مع 786 طفلا، تم تحويلهم اليها، وتمكنت من حل 45 % من الحالات ضمن إجراءات مجتمعية ووساطة بين المعتدي والمعتدى عليه.