بكت.. حتى الدمع المنهمر الغزير.
ومع هذا تساءلت: لماذا تبكي الامهات في اعراس بناتهن؟!
ثم اكتشفت: ان تجرتبها في الماضي.. والآن بالذات تقول: ان للدمع طمعاً ولوناً، فلدمع الحزن طعم ولون حزين.. ولدمع الفرح طعم خاص ولون زاه. ها هي الآن تكتشف في دمعها لون الفرح وتذوق طعم السعادة لكنها تذكرت كيف انها ذات زمن قديم مضى عانت من دموع جاء لونها حزيناً عميقاً وطعمها مراً اليماً.
لقد تذكرت كيف انه:
قبل عقدين - عشرين عاماً - عندما كانت «عروس الليلة» في االخامسة من عمرها، تذكرت ما كان يفعله والدها، وكيف احال حياتهما الى بؤس مقيم بين جدران البيت، يبتدعه كل يوم على امتداد السنين الخمس الاولى من عمر الابنة، الى ان ضاق ذات يوم ذرعاً وفاض به الكيل، فتركهما الى غير رجعه متعللاً انه « ليس ذنبه ان يبقى اباً لابنه كفيفة منذ لحظة الولادة «.
بدأت الام الباكية من الفرح هذه الليلة، منذ تلك اللحظة، تكتب قصة تضحية ونكران ذات لم تكن الاولى في العالم التي فعلت ذلك، فكثيرات سبقنها الى ما فعلته، لكنها هي اغلقت منذ ذلك الزمن نوافذ حياتهما كلها، وابقت على واحدة فقط، لترى ابنتها الكفيفه، الحياة من خلالها، تدبرت امر الحياة بحكمة عنوانها لا عمل شريف يعيب، واخذت بيد ابنتها بحزم وحنان لتعبر بها مساحات تحديات كانت تدرك منذ البداية ان الفشل فيها مرفوض لانه سيكون قاتلاً، هكذا.. بين دور الاب الغائب على امتداد الاعوام العشرين الماضية - وحضر اليوم - وبين مسؤوليات الام التي اضناها هجر الاب والحزن على فلذه كبدها، والابنة الكفيفة التي انطوت على نفسها لتختفي عن اعين الناس خلف ظلمة بصرها، كافحت الام لتضع في قلب الابنة ضياء بصيرة بعد ان غاب نور البصر، وها هي الابنة الكفيفة «عروس الليلة « والام تبكي فرحاً بعد ان تكللت جهودها بالنجاح.
لم تصبح الابنة «إنساناً معوقاً «يختفي خلف ظلمة فقدان البصر، بل صارت «إنساناً منتجاً» يؤدي عملاً، هي فقدت بصرها فتعاظمت بصيرتها، أظلمت الحياة دون عينيها، ففتحت بوعيها وعقلها وحسها وعزيمتها نوافذ مضيئة أنارت دربها، حرمت رؤية ألوان الحياة، فابتدعت للحياة ألواناً من جمالها الذي ورثته عن امها، فكان ميزتها التي غطت على ما كان من نقص في تكوينها.
عندما لمست اهتمامه بها، ظنت ان هذا مبعثه شفقة على حالها الذي كانت عليه، فصرفها ظنها عن مقابلة اهتمامه بمثله الى ان قال لها ذات يوم:
امنيتي ان اكون عينيك التي ترين من خلالهما العالم، وتشاركينني حياتي.
اجابته بحده :
اخشى ان يكون منبع امنيتك احساس عطف او مشاعر شفقة وهذان لست بحاجة اليهما.
وعندما رد عليها :
لم تقولي «لا» وهذا يُبقي املاً في قلبي الذي يحبك.
ردت عليه :
طلبك عند امي !
وها هي عروسته الليلة.
حين لاحظ ابوها فرحتها التي اشرقت من عينيها المظلمتين، تذكر الام المناضلة، وقف فوق رأس الام وسأل:
هل يفتح اعتذار ابواب عودة؟!
اجابته :
الاعتذارات المتأخرة لا تقوى على فتح ابواب اغلقها الحزن.








5118, Amman 11183, Jordan