المرأة والامتياز المعرفي

الرئيسية > المركز الاعلامي > الأخبار > المرأة والامتياز المعرفي
Printer Friendly, PDF & Email

خضع إسهام المرأة في مجالات البحث والفكر إلى التقسيم التاريخي للعمل والأدوار المجتمعية، المستند إلى التركيبة الاجتماعية الأبوية التي تحدد للأفراد أدوارهم ومهماتهم، كما تحدد مساحات هذه الأدوار والمهمات وأهميتها وفق هندسة اجتماعية ومكانية، تعيد إنتاج المنظومة القيمية الكفيلة بتوفير أمن المجتمع وأمانه وطمأنينته في السياق التاريخي والمجتمعي الذي دأبت الجماعات الحضارية على تلبية استحقاقاته التطورية.
ضمن هذا التقسيم التاريخي للأدوار المجتمعية، نالت المرأة حقّها في التعليم وصولاً إلى درجة المنافسة، ولعل التقسيم الجنسوي نفسه قد لعب دوراً في زيادة تنافسيتها وسعيها الحثيث للحصول على مراتب ودرجات علمية تجعلنا أحياناً نعاين وننظر في نسب الأوائل العشرة في الثانوية العامة، وأوائل الكليات الجامعية، حيث تحصد النساء مراتب متقدمة فيها، وحيث درجنا على الاعتقاد بأنّ الفتيات لا "يغلّبن" عائلاتهن في الحث على الدراسة، والانتظام وجودة التحصيل، ورغم قيامهنّ بمهام منزلية عديدة، إلاّ أنهن يتوفرن على الوقت اللازم والكافي لتحصيل دراسي جيد، في حين أن الأولاد الذكور قد يجدون أنفسهم في مواجهة العديد من المشتتات، وهذا كله في المحصلة يندرج في سياق تمثلات المجتمع لمكانة أفراده وأدوارهم، حيث تلعب السلالة والعرق والنوع الاجتماعي دوراً في صياغة الأدوار الاقتصادية والاجتماعية، وفي التمييز في فرص الترقي والأمان الوظيفي والأجور المتساوية  وفرص اكتساب المهارات المعرفية والقدرات المؤسسية.
لعلّ المفارقة اللافتة في هذا الشأن تبدو واضحة جلية عندما نقارن فرص العمل وأماكنه، ونربطها بالتحصيل الدراسي، حيث سنجد تراكم وجود المرأة في قطاعات التعليم والخدمات إلى حد ما،  وفي الوظائف التي لا تتطلب جهداً أو وقتا إضافيا أو عملا مضنيا أو بحثا إبداعيا وابتكاريا، وهنا تبدو المجتمعات منسجمة مع نفسها ومع صورتها وبناها التقليدية المحافظة، التي تفضّل الأدوار العائلية والرعاية الحانية للأسرة على أي جهد آخر قد يحتسب بشكل فردي لامرأة بعينها في مجال بعينه، وهنا فإن نسب حضور المرأة في التعليم دراسة وعملا ترتفع بشكل لافت، في حين أن حضورها في السلك الأكاديمي بأعرافه المرموقة وشديدة الانتقائية يبدو متواضعا على سبيل المثال، ولم تصل فيه المرأة حيز التنافسية.
ميدان البحث العلمي والدراسات الفكرية والبحثية ميدان انتقائي وبأعراف بحثية وأكاديمية صارمة، يلزم من يتوفر على حضور في متونه أن يضاعف الجهد، وأن يمتلك الوقت والقدرة على التفرغ من أجل البحث والتحصيل وتجاوز تحدياته وصعوباته، سواء أتعلق ذلك بمواصلة الدراسة والتحصيل الأكاديمي، أم بمواصلة البحث والدراسة بعد التحصيل الأكاديمي، وما يستلزم من وضع مادي وقدرات على التنقل، وأحيانا السفر من أجل استكمال متطلبات البحث والدراسة، ما يشكل عوائق اجتماعية ومادية، تحول دون إقدام النساء على خوض هذا المعترك بمفردهن وبالاستناد لخياراتهنّ الفردية والحرة.
وهنا فإنّ وجود مؤسسات بحثية ترعى الطاقات الإبداعية، وتعمل على تنميتها وحمايتها وعلى مستوى العالم العربي، قد يحدث فرقاً في خوض المرأة العربية لمعترك البحث العلمي، وتقديم إسهامات لافتة، ولعلّ الدواعي والغايات تتضح إذا ما أدركنا أن مساهمة المرأة في الجهد البحثي والمعرفي والعلمي ستنقلها نقلة نوعية من حيز الهامش إلى حيّز المتون، وحيث المتون هي التي تصوغ السياسات والقوانين وهي التي تحدد المواقع المتقدمة في المجتمعات، واقعاً، وتمثلات رمزية، بل وتنمية المجتمعات عموماً وترقيتها.
فالمعرفة بلا شك، امتياز كان حتى عهد قريب حكراً على المستعمِر في ميدان المغالبة الحضارية، ثم صار لصيقاً بالرجل رغم أنّ المرأة في بلادنا العربية تشكل نصف الموارد، ومشاركتها في كل مناحي الحياة من صلب قضايا هذه المجتمعات، بحيث ينهض بمهام هذه المشاركة الرجال والنساء معاً، بوصفها جزءاً لا يتجزأ من قضايا المجتمع التي تحل عبر العمل السياسي، والعمل العام، والعمل المتخصص في التشريع وفي التعليم وفي الاقتصاد دون أن تحوّل قضايا المرأة إلى قضية خاصة بها من منطلق الرؤية الوظيفية البحتة.
ولعلّ في سعي المرأة في زمن التحولات الديمقراطية للتوفر على متن في أطروحة المعرفة والتكنولوجيا دون تذرع بالخصوصيات، أو شعور بالضجر، هو الكفيل بنقلة نوعية في حراك المجتمعات العربية الأبوية، وفي ثقافتها