كان للأم الدور الكبير الحيوي ليس في انتقاء العروس وسومها واختبارها ، بل في طقوس العرس وتفاصيله وتبعياته وظلاله ، وكان يتجلى دورها الحنون عقب وصول فاردة العروس إلى تخوم بيتها الجديد ، مجللةً بالزغاريد والهلاهيل (ارفعي رأسك لا يقولوا قليلة ، ارفعي رأسك يا دالية) ، فقبل أن تدخل العروس برجلها اليمنى تيمناً بالبركة ، كانت تقف بباب البيت ، لتناولها أمُ العريس(الخُمرة) وهي قطعة عجين غيرُ مختمرة!!، موضوعة في حضن ورقة عنب ، ويغرس في العجينة عرقُ نعناع يانع ، وورقة زيتون طازجة ، وهذه العجينة تطبعها العروس بيدها اليمنى ، وبكل قوة على جدار البيت تيمناً بان تلتصق العروس في جدران هذا البيت ، وتخمًّر عجينهُ وتخبزه لعمر مديد،،.
العروس التي تنسلخ خمرتها عن الجدار لن تعمر طويلاً في بيتها ، هكذا اعتقدوا ببساطة القمح وطيب الماء ، ولذة النعناع وحلاوة السكر. وكنّا- نحن مشاغبي الحارة- مولعين بإسقاط خمرة العروس التي نراها عابسة في زفتها ، أو خلال نزولها من سيارتها المزينة ، فعقب انفراط الجمع ، كان ينحني أحدنا ليعتلي الآخر ظهره ، وينهش بسرعة عجينة الخمرة عن صفحة الجدار ، وبقينا على شعوذتنا إلى أن ضبطنا ذات مرة فتورمت آذاننا صفعاً متعدد الجهات،،.
فبيدْ ترعشها الضراعة وخوف غدْ سيأتي ، كانت أم العريس تعجن على وجع خُمرة العروس ، في صبيحة يوم العرس ، تعجنها ربما بدمع الفرح الممزوج بالدعوات وشجن التحنان ، وأحلام أحفاد سيملأون البيت نطنطةً ومرحا كقطط صغيرة ، وكانت تضع العجينة بورقة عنب كي تمدد العروس على عرش وجدان عريسها كدالية البيت ، وتغرس ورقة زيتون ، لتكون العروس مباركة كزيتونة طيبة أصلها ثابت وفرعها بالسماء ، وعرق نعناع فليس يتجذَّرُ في أرض الحاكورة شيءّ أقوى منه ، وأحياناً قليلة ترشُّ أم العريس على العجينة قليلاً من السكر ، كي تحلى العروس في عين زوجها ، وهذا ما يثير الندم- أحياناً - في نفس الحماة إن تعلّق الزوج بعروسه أكثر مما ينبغي في الأيام التوالي،.
وكانت الخمرة تظل ملتصقة طويلاً ، ما لم يعبث بها عابث من أمثالنا ، مما يجعلها مبعث فخر لدى الكثيرات من النسوة ، وأكثرهنَّ فخراً تلك التي كان أطفالها يسلخون خمرة عرسها حينما يكبرون ويضجون بالشقاوة ، وما زلت أشعر بالذنب - يشاطرني بذلك صديق طفولتي - فإحدى العرائس في حارتنا لم تعمر طويلاً بسببنا ، فقد سلخنا خمرتها قبل أن تضع رجلها على رأس العتبة!!.








5118, Amman 11183, Jordan