الغاضب

Printer Friendly, PDF & Email

بعض الناس يعتقدون أن الزمن انتدبهم لمعاقبة الآخرين. أو تعذيبهم. أو حرمانهم من حقوقهم. أو انتهاك انسانيتهم. أو تخويفهم. أو استعبادهم. والبعض الآخر يعرف أن العدالة ثمينة ولذا فهي تكلف غالياً، من العمر ومن الصحة ومن المال.

في آخر مرة التقيت بها (غادة) كانت ملامح الحياة منسحبة تماماً من وجهها . لم يكن ثمة أمل. كان اليأس فقط. وكان الخوف.. أن يفتك القهر بأبيها المريض. سنوات قضتها دون حياة كريمة ودون أمان، لأن زوجاً مضطرباً قرر أن يصب فوقها نفسيته المتأزمة.

بدت حياتها معلقة بين يديه الآثمتين وعيونها متأرجحة بين نظرات الآخرين المشفقة بعد كل مرة تخرج فيها من حلبة الملاكمة. طلب (الستيرة) جعلها تصبر وجهلها بالقانون لم يعنها على اتخاذ قرار في صالحها. لكن الضرر أصبح كبيراً والقرار حاسماً، فطلبت الخلع قبل سنتين من الآن.

مؤخرا علمت من صديقة مشتركة أنها عادت إلى الحياة من جديد، فقد انتزعت قبل أسبوع فقط قرارا بالخلع لتتحرر من زوجها (عدنان) بعد هرولة أعوام بين أروقة المحاكم. هذه خلاصة قصتها مع عدنان، أما هو فله حكاية أخرى لم تجدِ شهاداته العليا في التخفيف من وطأة آثارها.

نشأ عدنان في أسرة غاضبة، ومدرسة غاضبة، ووظيفة غاضبة، ومجتمع غاضب. كان يجري مرتعداَ عندما يسمع صراخ أبيه في البيت، ويهرب ليختفي تحت الأغطية تفادياً للصفع إثر كل خناقة لأبيه مع أمه. وفي المدرسة اعتاد أن يعالج أموره بالحوار الجسدي مستخدماً المهارات التي تعلمها في المنزل، فهي أقصر الطرق لإنهاء الحوار حين يحيل العنف كل تلك الضجة إلى صمت مطبق.

في أيام كثيرة تاه بين عنف أبيه وخنوع أمه، فقد تعرض مرات لعقاب مدرسي في محاولة لإطفاء غضبه في أقرانه الضعفاء أو في محاولة لرفض قمع المعلم.. هدد والده أن (يمسح البلاط بالمعلم)، بينما حملته أمه مسؤولية عقابه لأنه ارتكب ما يستحق العقاب.

شبّ عدنان مراهقاً وارتأى أن يعترض على ردود فعل أبيه وعنفه في ثورات الغضب فانهال الصفع واللكم والشتم عليه لأنه ولد عاق!.

في الوظيفة، مارس نسجه الإجتماعي الواهن وتخبطه العقلي على زملائه منذ اليوم الأول، لكنه وجد نفسه يوماً داخل مشكلة حقيقية كادت أن تعصف بمصدر رزقه، فلم يجد بدّاً من أن يكبت ويصمت ويحتقن.

فـقـدَ عدنان التوازن منذ طفولته، انطلق إلى الحياة مادة أولية رديئة اختلطت بالنسيج الأساسي للمجتمع وجعلت بناء هذا المجتمع ناقصاً. وكان لابد أن تكبر إعاقته النفسية . وكان لا بد لهذا العطن من فريسة يفرغ فيها طفولته ومراهقته وكبته ورفضه وتجاربه التي ابتلعها سنة وراء سنة.. فأتى الزواج كمواسم تصفية الحسابات آخر العام