الأيدي الناعمة

Printer Friendly, PDF & Email

كانت إحدى الصديقات العاملات في حقل النشاط المسرحي قد طلبت من مجموعة من الأطفال تمثيل مشهد ما تجري أحداثه داخل المنزل، فاختارت إحدى الصغيرات لتمثيل دور الأم، وطلبت منها أن تتخيل أنّها في البيت، وأن تتصرّف على أساس أنّها أم، فوقفت الصغيرة حائرة لوهلة، ثمّ سألت في براءة: ماذا أفعل؟.

فأجابت المشرفة: أي شيء، ما تفعله أمّك في البيت مثلاً.

وهنا قالت الصغيرة: أمّي تتحدّث في التلفون! فسألتها المشرفة: طوال النهار؟ فقالت الصغيرة:لا، أحياناً تصيح في شاميكارا وسألتها مرّة أخرى: ومن تكون هذه؟ فقالت الطفلة: إنّها السيريلانكية!.

هذا نموذج نسائي سبق أن أشبع كتابة ونقداً ولا جديد حتّى الآن، إلا أنّ وجود نماذج نسائيّة سلبيّة وهامشيّة كتلك، لا يعني بالضرورة أن لا مثيل لها في عالم الرجال، ونظرة عابرة في الأماكن العامة أو حتى داخل المكاتب وأماكن العمل، كفيلة بإثبات أنّ الكائن الهامشي هذا، هو نموذج إنساني عام لا يقتصر على جنس النساء وحده.

فخلال موجة الغلاء والبطالة التي دوهمنا بها، أشبعت المرأة نصائح ووصايا وحكماً في فنون التوفير والتدبير وترشيد الاستهلاك.

لكن بالمقابل- وتبعاً للظروف نفسها- فمن ذا يستطيع أن يقول أنّ تغييراً ما قد طرأ على نمط تفكير أغلب الرجال، على سبيل المثال، فإنّ (غزلنا) العتيد بالتوجهات المهنيّة يتوقّف فقط عند تشجيع طلابنا على دراستها، في حين نضطر للاستعانة بأقرب كهربائي أو مواسرجي أو ميكانيكي لتصليح ما قد يطرأ من خلل في أجهزة المنازل أو السيارات، وأشكّ في أنّ أحد أرباب الأسر قد فكّر حديثاً في تعلّم بعض مبادىء مهن كتلك، ولو من منطلق التكيّف مع الظروف الاقتصاديّة الطارئة، وقد لا يحول دون ذلك سوى المزاجيّة، أو القالب الوظيفي الوقور الذي يحيط بأغلب الرجال، أو ربّما الافتقاد إلى الرشاقة المطلوبة ليس إلا! وفي حين باتت تتّهم المرأة فيه بالتشبّه بالرجال في مظهرها أو في سلوكها، يغيب عن الأذهان أنّ موقفها هذا قد لا يعدو أن يكون سوى رد فعل تلقائي وطبيعي لمنحى (النعومة) الذي مال إليه رجل هذا العصر، هذا الذي يرهق من مجرّد صعود درجات قليلة، ويلهث طويلاً إزاء بذل أي جهد عضلي مهما كانت بساطته.

في ظل وضع مؤسف كهذا، نقول: قد يكون قد حان الوقت لأن يعيد الرجل أيضاً حساباته مع نفسه، وأن يقف موقف المتأمّل من تقصيره في حق مجتمعه، وفي حقّ المرأة وفي حقّ الرجولة نفسها! لمّا عاد الأديب الراحل ميخائيل نعيمة من المهجر إلى قريته ومسقط رأسه بسكنتا، وذلك بعد أن ملأ الآفاق بشهرته الأدبيّة، تدفّق سكّانها لتحيّته، وكان من بين النساء امرأة وجدها تمدّ يدها إليه بحرج بالغ وهي تقول: يا خجلي منك، يداي خشنتان! فأجابها نعيمة قائلاً: يا خجلي أنا منك، فيداي ناعمتان!