الإصلاح والتحديث في الوطن العربي «22» الإصلاح الاجتماعي تحرير المرأة

الرئيسية > المركز الاعلامي > الأخبار > الإصلاح والتحديث في الوطن العربي «22» الإصلاح الاجتماعي تحرير المرأة
Printer Friendly, PDF & Email

ساهمت حملة نابليون على مصر وبقاء قواته في مدنها نحو ثلاث سنوات 1798« - 1801 » في تعريف المصريين بوضع المرأة الأوروبية وما بلغته من حرية واستقلال فرديين. وقد سجل المؤرخ المصري عبد الرحمن الجبرتي في كتابه عجائب الآثار في وصف أحداث سنة 1800 ، إنبهار المصريين من تصرفات نساء الفرنسيين ومن البستهن ومنها تبرج النساء وخروج غالبهن من الحشمة والحياء ، وهو أنه لما حضر الفرنسيس الى مصر ومع البعض منهم نساؤهم ، كانوا في الشوارع مع نسائهم وهن حاسرات الوجوه لابسات الفستانات والمناديل الملونة ، ويسدلن على مناكبهن الطرح الكشميري والمزركشات المصبوغة ، ويركبن الخيول والحمير ويسوقونها سوقاً عنيفاً مع الضحك والقهقهة.استنكر الجبرتي هذا المنظر ، وكان استنكاره أشد لتقليد بعض نساء مصر للفرنسيات ، والذي كشف عن تبرجهن وسفورهن.

وبعد هذا الاستنكار بربع قرن ونيف أتيح لشيخ أزهري كالجبرتي هو رفاعة الطهطاوي أن يرافق البعثة العلمية المصرية إلى العاصمة الفرنسية 1826« - »831 وأن يشاهد المرأة الفرنسية ويتعرف على دورها في المجتمع الفرنسي ، وأن يعبر عن إعجابه بها. فقد كتب في مؤلفه تخليص الإبريز وحيث أن كثيراً ما يقع السؤال من جميع الناس عن حالة النساء عند الإفرنج كشفنا عن حالهن الغطاء. وملخص ذلك أيضاً أن وقوع اللخبطة بالنسبة لعفة النساء لا يأتي من كشفهن أو سترهن ، بل منشأ ذلك التربية الجيدة والخسيسة ، والتعود على محبة واحد دون غيره.. وقد جرب في بلاد فرنسا أن العفة تستولي على قلوب النساء المنسوبات إلى الرتبة الطبقة الوسطى من الناس دون نساء الأعيان والرعاع ، فنساء هاتين المرتبتين يقع عندهن الشبه كثيراً ويتهمن في الغالب. ووصف الطهطاوي وضع النساء في فرنسا ومختلف النشاطات التي تمارسها المرأة من بيع وشراء وأعمال يدوية وفكرية. وتحدث باحترام عن الاختلاط بين الجنسين في العمل وفي أماكن الترفيه. ودعا الطهطاوي إلى تعليم المرأة في مصر في كتابه المرشد الأمين لتعليم البنات والبنين . ونادى بأن تقوم المرأة بالعمل الذي يقوم به الرجال لأنالعمل يصون المرأة عما لا يليق ويقربها من الفضيلة . وعلى الرغم من هذا الدعوة الصريحة إلى تعليم المرأة لم تنشأ أول مدرسة للبنات في مصر إلا سنة ,1873

وظهر بعد الطهطاوي مفكرون عرب جدد دعوا إلى تحرير المرأة العربية من الجهل. كان من أبرزهم أحمد فارس الشدياق الذي ألف كتاباً في هذا الموضوع هوالساق على الساقالذي صدر لأول مرة سنة ,1855 وجاء فيه فأما تعليم نساء بلادنا القراءة والكتابة فعندي أنه محمدة ، بشرط استعماله على شروطه. وهو مطالعة الكتب التي تهذب الأخلاق وتحسن الإملاء.

وتحدث عبد الرحمن الكواكبي عن المرأة ودورها في التربية والمجتمع ، ودعا إلى تحريرها من الجهل ، يقول في كتابهأم القرى إن لانحلال أخلاقنا سبباً مهماً آخر أيضاً يتعلق بالنساء ، فهو تركهن جاهلات على خلاف ما كان عليه أسلافنا ، حيث كان يوجد في نسائنا كأم المومنين عائشة رضي الله عنها ، التي أخذنا عنها علوم نبينا ، وكمئات الصحابيات والتابعيات روايات الحديث والمتفقهات فضلاً عن ألوف من العاملات والشاعرات...

واتخذت الدعوة إلى تحرير المرأة إتجاها يرى أن لا فرق بينها وبين الرجل في التكوين الفسيولوجي والقدرة العقلية ، واستند دعاة هذا الاتجاه إلى علم الأحياء وعلم الإنسان وما أحرزاه من تقدم. وذهب آخرون إلى مخالفة هذا الاتجاه واعتبار المرأة قاصرة تحتاج إلى وصي لما فيها من خفة وطيش. واستنتجوا من ذلك أن حقوق المرأة تختلف عن حقوق الرجل. وعلى الرغم من هذا الاختلاف فقد اتفق المفكرون العرب من الاتجاهين المذكورين على ضرورة تعليم المرأة وتربيتها تربية علمية صحيحة ، معتبرين جهلها سبباً رئيسياً من أسباب تخلف مجتمعهم.

يقول سليم البستاني في مجلة المقتطف والوطن بأهله والنساء نصفهم. فلا تستقيم أموره ولا تنتظم أحواله ولا يبلغ الدرجة القصوى من المدنية ما لم يحصل هذا النصف على الكمال المدني. والتمدن عبارة عن انتظام العقل والجسم والمنزل ، وانتظامها يتوقف على النساء.. والشعب الذي يحاول ذكوره التقدم دون النساء كالرجل الذي يحاول السفر ماشياً برجل واحدة.

وحصر مفكرو القرن التاسع من العرب واجبات المرأة بالشؤون المنزلية ولم يتجاوزوها إلى الحياة العامة. ولم تبرز الدعوة إلى مشاركة الرجل في الإعمال والشؤون العامة إلا في مطلع القرن العشرين ، وكان رائد هذه الدعوة قاسم أمين 1865( - )1908 الذي لقّب بحق محرر المرأة. كان تلميذاً للإمام محمد عبده. وألف كتابين في هذا الموضوع هما تحرير المرأة الذي صدر سنة 1899 والمرأة الجديدة الذي صدر سنة ,1900 تضمن الأول موضوع المساواة بين المرأة والرجل ، وأتى بالنصوص الدينية الإسلامية التي تدل على هذه المساواة. وتناول وضع المرأة المتدني في المجتمعات العربية بعامة وفي المجتمع المصري بخاصة. واعتبر الزواج بالجواري ، وتعدد الزوجات ، والطلاق بلا سبب ، ومراقبة المرأة من قبل الخدم ، وإبقاءها في المنزل ، والحيلولة بينها وبين الحياة العامة والعمل ، وغيابها عن الأعمال الفكرية والفنية والفضائل الوطنية ، من مظاهر إنحطاط المرأة.

ووجه قاسم أمين نقداً لاذعاً للرجال الذين اعتبرهم المسؤولين عن هذا الوضع المتردي للمرأة في المجتمع. وأكد أن الحجاب دخيل على الإسلام ، وجاء بآيات قرآنية وأحاديث نبوية تبيح سفور المرأة. وتناول تعدد الزوجات واعتبره نتيجة لانتشار الرق وبيّن مساوئه. وفي كتابه المرأة الجديدة ناقش العديد من المسلّمات الشائعة عند المسلمين عن المرأة ودحضها مستنداً إلى الفسيولوجيا الحديثة وعلم النفس. والحرية التي نادى بها قاسم أمين للمرأة هي استقلال الإنسان في فكره وإرادته وعمله.

وقد أحدثت آراء قاسم أمين صدى واسعاً في أوساط مفكري عصره ، فمنهم من رحب بها ومنهم من تصدى لها ورد عليها. فقد ألف عبد المجيد خيري كتاب الدفع المتين عام 1899 رداً على كتاب تحريـر المـرأة . وألف محمد طلعت حرب كتابفصل الخطاب في المرأة والحجابرد فيه على ما جاء في كتابالمرأة الجديدة . ومنع كتابا قاسم أمين من دخول البلاد العثمانية.

وكان الشاعر العراقي جميل صدقي الزهاوي من دعاة تحرير المرأة ونبذ الحجاب ، وبعث بمقال إلى جريدةالمؤيدالمصرية بعنواندفاعاً عن المرأةسنة 1910 ، وطالب برفع الحجاب عن المرأة في مقال ثان بعنوانمساوئ الحجاب . وقد رد عليه محمد سعيد النقشبندي المدرس في مسجد الإمام الأعظم في بغداد بكتيب بعنوانالسيف البارق في عنق المارقفي السنة نفسها. وفصل الزهاوي من التدريس في مدرسة الحقوق في بغداد بسبب هذين المقالين ، واضطر إلى التنصل من مسؤولية كتابتهما.

وصدرت أول مجلة نسائية في مصر سنة 1892 ، وهي مجلةالفتاةلصاحبتها هند نسيم نوفل. ولم تفتح صفحاتها إلا لأقلام النساء. وصدرت أول مجلة نسائية في بيروت سنة 1898 ، وهي مجلةأنيسة الجليسلصاحبتها ألكسندرا ملتيادي. وبعدها بعام صدرت مجلةالعائلةفي القاهرة لصاحبتها أستير زهيري. وصدر في القاهرة في سنة 1901 ثلاث مجلات نسوية هيالمرأةوالمرأة في الإسلاموشجرة الدر. وصدرت ست مجلات أخرى حتى سنة 1914 في العاصمة المصرية هيفتاة الشرقوالريحانةوالجنس اللطيفوالحسناءو العفافوفتاة النيل . وصدرت أول مجلة نسائية في دمشق سنة 1911 لصاحبتها ماري عجمي. كما صدرت مجلةفتاة لبنانفي بيروت سنة 1914 لصاحبتها سليمة أبي راشد.

وعلى الصعيد التعليمي سبقت بلاد الشام مصر في تعليم المرأة. وافتتحت أول مدرسة للبنات في بيروت سنة 1826 ، وهي مدرسة تبشيرية. تلتها مدرسة أخرى في عاليه سنة ,1834 ومع ذلك لم يزد عدد البنات في مدارس بلاد الشام على 144 بنتاً سنة ,1845 وأخذت أعداد مدارس البنات في مصر وبلاد الشام في النمو في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين. واخذ حجاب المرأة ينحسر تدريجياً ، وشرعت المرأة العربية تشارك الرجل في العديد من الأعمال ، وتمتعت المرأة بمزيد من الحرية والتقدم.