اخشى ما اخشاه ان تمثل قصة الفتاة التي حاولت ان تلقي بنفسها من فوق احدى العمارات وسط عمان ، نموذجا «ملهما» لشبابنا الذين قذفتهم الحياة ، بما فيها من فقر ومعاناة ويأس ، الى الاحتجاج والرفض لايقاظ ضمائرنا بهذه الطريقة المؤلمة ، فلربما تكون المرة الاولى التي يحتشد فيها الآلاف لمتابعة هذا المشهد ، سواء على الهواء مباشرة كما فعل الذين اوقفوا سياراتهم على الطريق المحاذي للعمارة ونزلوا الى الارصفة ، او على شاشات التلفزة التي اعاد بعضها صور الحدث عشرات المرات.
لا اخفي انني تعاطفت مع الفتاة حين شاهدتها تقف بكل قوتها على شفا العمارة وتلوح بيديها للجماهير ، لا ادري - بالطبع - بماذا كانت تفكر آنذاك ، ولا بما كان يعتلج داخل صدرها ، لكنني على يقين بأن رسالتها وصلت تماما ، وقد زاد تعاطفي معها حين قرأت بعض التفاصيل عن حياتها ، فهي واحدة مثل فتياتنا - وما اكثرهن - اللاتي اصطدمن بالحياة المرة ، تخرجت من الثانوية العامة بمعدل جيد ، ثم حصلت على مقعد دراسي في احدى الجامعات ، وجربت ان تذهب لهنالك اكثر من عامين ، لكن «ضيق اليد» والمصاريف الكبيرة غير المتوفرة ، واحوال الفقر التي ظلت تطارد الاسرة بعد وفاة معيلها الوحيد ، دفعتها الى «تجميد» دراستها ، خاصة بعد ان اعتذر صندوق المعونة الوطنية عن تقديم اي مساعدة للعائلة بحجة ان ثمة راتبا «ضئيلا» يأتيها من تقاعد الوالد المتوفى.
ليست هذه المرة الاولى التي نسمع فيها عن «شباب» حاولوا «الانتحار» ، ففي الاسابيع الماضية تابعنا قصتين على الاقل ، احداهما في العاصمة والاخرى في عجلون ، لكن ما يميز الحادثة الاخيرة ان «بطلتها» فتاة ، وانها اشهدت الرأي العام على الهواء مباشرة ، كما ان «تفاصيلها» تخفي ملفات ما زالت بحاجة الى «الفتح» والمناقشة ، ونحن - هنا - لا نبرر ما فعلته الفتاة ولا فعلة من سبقها ، فالانتحار ضد الايمان وهو محرم شرعا ، ولا يجوز ان يكون خيارا لاي من شبابنا مهما قست عليهم الحياة.. ومع ذلك فان احدنا لا يمكنه ان يتجاوز تحليل الرسائل التي صدرت ، او فهم الدوافع التي جعلت الفتاة تقدم على ما فعلته.. وهي في مجملها صرخة تحذير وانذار لمجتمعنا كله ، ونداء احتجاج نرجو ان يجد من يلتقطه ويصغي الى ما يحمله من اشارات.
ان اسئلة من نوع: لماذا يضطر شبابنا الى «اختيار» الموت بهذه الطريقة البشعة ، ومن هو المسؤول عن ذلك ، ولماذا تصم مراصدنا الاجتماعية آذانها عن قراءة وتحليل ما يحدث في مهاداتنا هذه ، وما هو دور «خطابنا» الديني في تفعيل قيم الايمان لدى الناشئة ، ولماذا فقد شبابنا الامل بالحياة وآثروا عليها «الانتحار» او الانسحاب من المشاركة ، وهل الفقر والعوز وغيرهما من مشاكلنا الاقتصادية هي وحدها المسؤول ام ان ثمة اسبابا اخرى تقف وراء ذلك..؟،
ان هذه الاسئلة وغيرها مشروعة تماما ، ولكنها - رغم ان اجاباتها ما تزال معلقة - تضيف الى المشكلة ابعادا اخرى لا نستطيع ان نطرحها «لا تسأل لماذا؟» ، ولهذا فبوسعنا ان نقول بصراحة واختصار ان بلادنا - ومهاداتنا الاجتماعية خاصة - تمر بتحولات قيمية لا بد ان ترصد وتقرأ ، وان شبابنا - ومعظمهم ضحايا - يعانون من ازمات مضطردة ، وان ملفات كثيرة تتعلق «بالفقر» و«الامان الاجتماعي» و«التعليم» و«الشباب» ما تزال معلقة ، او تعالج بسطحية ، الامر الذي يدعو الى فتحها من اوسع الابواب.. ومواجهة ما يدخل منها علينا من مشكلات بحكمة واقتدار.
الفتاة التي تابعنا قصتها تدق امامنا ناقوس الحذر ، والرسائل التي ارادت ان تقولها بأعلى صوتها لم تصل بعد الى مسامعنا ، وعلى مجتمعنا ان ينتبه ، قبل ان تصبح مسلسلات الانتحار اطول مما نتصور،،








5118, Amman 11183, Jordan