مــن مفكــرة أم

Printer Friendly, PDF & Email
image

 ينبش الحديث عن عيد الام ذكريات ذلك اليوم في حياة البعض ، وثمة من دونها ضمنها اوراقه وبعض الشجن.. في هذه الاوراق بوح جميل لإحدى الامهات ..
آذار 1971  لماذا أبدأ من هذا التاريخ بالذات ؟ لأنني لا اذكر ما سبقه أم لأنه شكل بداية المشوار! ما تزال ذكريات ذلك اليوم البعيد حاضرة ، كنت في السابعة من عمري ، لم يكن ترتيبي الاكبر بين اخوتي، لكني كنت دائما الاكثر مبادرة ونشاطا ، طلبت منهم البدء في توفير جزء من المصروف قبل موعد عيد الام بشهرين ، كنت اشجعهم على اخذ ''سندويتشات '' من البيت، حتى نتمكن من شراء هدية تليق بهذه الام ، كان يستغرق اختيارها اكثر من اجتماع ، لكن أبي كان يتدخل ليحسم الموقف ، يزودنا بمبلغ نضيفه الى رصيدنا ويأخذنا الى صديق له ''جواهرجي'' ونختار سويا خاتما جميلا او عقدا يطوق عنق هذه الانسانة الرائعة ، ربما لانها كانت تزهد في شراء مثل هذه المقتنيات التي تحبها النساء من أجلنا جميعا.. .
دائما كنت الاقرب إليها ، اتيت بعد مخاض عسير ، هكذا قيل لي ، ربما لهذا اختارت لي اسما قريبا من اسمها ، وصنعت الاقدارمن ظروف مختلفة مشاعر خاصة في علاقتي بها طول العمر، تعلقت بها كثيرا ، تزوجت اختي التي تكبرني وكذلك من تصغرني ، سافر شقيقاي للدراسة ، توفي ابي في سن مبكرة ولم يتبق سواي ، وحين تزوجت كان شرطي ان ابقى بقربها في ذات البيت الذي ضم الاسرة وشهد اروع ايام الحياة والام .
مازلت اذكر رقاع دعوة من الورق الملون كان يصر شقيقي الصغير على كتابتها بقلم من الرصاص ، لم يكن يجيد استخدام قلم الحبر ، وبرغم انها كانت تزدحم بالاخطاءالإملائية ، غير انها تقطر بالحب و الأجمل بين كل البطاقات ،مازلت احتفظ باحداها برغم اعتراضه على ذلك حين كبر..ولاأدري ما الهدف من هذه البطاقات ،مادمنا نحن المدعوين والمحتفلين ، هل كنا نوجهها لانفسنا ؟ اما قالب ''الجاتوه '' الذي كانت تصر شقيقتي الكبرى على نقل وصفته من كتاب العلوم المنزلية كان شكله يثير ضحكنا وغضبها ، كثيرا ما كان يلتصق جزء منه بالقالب ، غير اننا كنا نلتهمه بشهية كبيرة ، طعمه كان لذيذا وبخلطة مميزة من الكاكاو وعصير البرتقال و بعض مبشور جوزالهند ..

21-3-1976

لم اكن استطيع منع نفسي من تأمل ذلك الوجه الجميل الذي كان يغرق في الدموع اثناء احتفال المدرسة بعيد الام كل عام ، فيما تدور همسات بين الزميلات بأن امها توفيت قبل عامين، ولم أكن اتخيل ان يستمر ابن او ابنة في الحياة بعد موت الام ؟ يا الهي كم تحتاج الفتاة لام في هذه المرحلة الحرجة من العمر، تزوج ابيها باخرى ، وضع صعب ، لكنها برغم ذلك كانت طالبة متفوقة مهذبة. كانت هذه زميلة الدراسة وجارتي في المقعد ،. كبرنا وافترقنا ومايزال ذلك المشهد الحزين الذي تكرر سنوات في ذلك اليوم يؤرقني . ربما كنت اخاف ان يأتي يوم لااجد فيه تلك التي نحتفل بها أنا واسرتي، وكثيرا ماسألت نفسي ترى ماهو عدد السنوات التي سأحتفل بها بأمي..وكم تبقى لي ولها وللاسرة ليبقى هذا الدفء الجميل الذي يغمرنا جميعا؟؟..

21-3-1989

اصبحت اما لابن وابنة''توأم '' في هذا اليوم ، الولادة كانت متعسرة، كما حصل عندما أتيت الى هذه الحياة ، شعرت بكم التضحيات التي تقدمها هذه الام العظيمة ، بقيت الى جانبي وشاركتني رعايتهما سنوات ، تعلقا بها كثيرا، كنت محظوظة بوجودها ، تعلمت منها ان اكون اما، لو لم تكن موجودة في حياتي حينها ..لاادري ماذا كنت سأفعل ؟

21-3-1993

اصبحت لدي اسرة كبيرة مكونة من اربعة اطفال ..يقدمون لي هدية كل عيد لكن انا من اختارها وغالبا ما تكون شيء خاص بالمنزل تستفيد منه كل الاسرة ، فيما احرص ان يقدموا لي بطاقة ربما استعيد من خلالها ما كان يدونه شقيقي .. وباقة ورد احتفظ بها حتى بعد ان تجف ، أضعها في علبة صغيرة احتفظ بهمااللذكرى ، لكن الجميع لم يكن ينسى الام الكبيرة..امي..
كل ابن كان يصر ان يقدم لها شئيا خاصا منه وحده ..


21-3-2001

ان تفقد الام يعني ان تتخلى عنك الحياة ، يخذلك العالم كله وتبقى وحدك في دوامة الاحزان ، رحلت أمي بعد معاناة مع المرض ، كم تمنيت لوعاشت طول العمر، مضت بضعة اشهر على غيابها لكني ما ازال اعيش ذات الوحشة والالم ، رحيل الام يعني فراغ الحياة من كل المعاني الجميلة بين البشر، ومن يومها وانا اعيش مشاعر متناقضة في هذا اليوم ، ذكرياته ..
لاتفارقني ابدا.

21-3-2007

تزوج ابني وابنتي '' التوأم '' في سن مبكرة ، ربما انا من شجعت على هذا الزواج ، جدة في مستهل عقدها الرابع تحظى بثلاثة احفاد ، شيء رائع ، في هذا اليوم الجميع يحتفل بي ، يختلط حديث الكبار بشغب الصغار، لكني اشعر بسعادة العالم في داخلي ..فكل ما حولي ساهمت به .. وهؤلاء كلهم يعودون الى احضاني من جديد كما كانوا.، اتخيل صغار الامس الذين اصبحوا آباء وامهات لكنهم مايزالوا بحاجة الى حبي وحناني .هذا اعتقد ، هذا هو قلب الام ومشاعرها دائما الا يرددون ذلك !!