المرأة وصراع المرويتين "في عتة الماء" لباولا هوكينز

الرئيسية > المركز الاعلامي > الأخبار > المرأة وصراع المرويتين "في عتة الماء" لباولا هوكينز
Printer Friendly, PDF & Email

تميزت الكاتبة البريطانية باولا هوكينز بالتركيز في روايتها (فتاة القطار) على البعد النفسي لاسيما لدى المرأة التي تتنازعها مشاعر مُختلفة بحيثُ تبدو واقعة في دوار من أفكار مُتناقضة، في عملها الصادر من دار التنوير معنوناً بـ (في عتمة الماء) لاتُغادرُ عالم المرأة بل أنَّ قوام القصة هو الصراع بين مرويتين حول النساء المُنتحرات إذ تتشابك المسارات والدروب المُكتنفة بشبكة من الألغاز في المادة المسرودة التي تسيحُ في فضائها ثيمات الموت والجريمة والتضحية والخيانة إضافة إلى ما تعانيها المرأةُ من الحرمان عن الحُبِ والاغتصاب والأحكام المبتورة، وفرض رواية مُحددة عن المصير والمآلات بفضل تواتر الأخبار التي لاتكشفُ بقدر ماتُعتمُ الحقيقة وُتشيعُ الضبابية في الرؤية والموقف، ينهضُ بناء الرواية على متابعة النساء اللائي انتهى بهن المصير في بركة الغارقات، وهنا تضعك المؤلفة أمام نظرتين الأولى تذهب إلى أن هؤلاء انتحرْنَ في عُتمة الماء مع نشر مايسيءُ إلى حياتهنَّ الشخصية بغرض دعم هذه القناعة أكثر، أما النظرة الثانية فهي لم تتبلور بعد لذا تُعدُ أساساً داعماً للعمل بأكمله.إذ يتابعُ القارئ ماوقع خارج زمن الرواية ويتمُ استعادته على لسان الشخصيات المنتشرة في المساحة السردية. إذ يتواردُ ظهور الشخصيات مُتدرجا ويتمثلُ دور كل شخصية في إيجاد الترابط بين وحدات الرواية مع التنوع في الضمائر المُستخدمة لسرد المادة.غالباً مايكون السرد بضمير الغائب في مقاطعِ تدور حول شخصية غير مُتضمنة فعلياً إنما الراوي يُمررُ قصتها ضمن فضاء الرواية وبهذا تتسعُ المساحة لأصوات مُتعددة وتضمُ رؤى مُتباينة حول ما تشهدهُ بيكفورد التي تُسميها إيرين القادمة من لندن بمكان ملعون من حالات الانتحار للسيدات.مايُضاعف الغموض في المشهد هو أنَّ ظلال الشك يمتدُ للجميع خصوصا بعد انتحار كاتي البالغة من العمر خمسة عشر عاماً.هناك أكثر من تفسير للدافع وراء ما أقدمت عليه الطالبة المتزنة أُمها تلقي بالمسؤولية على عاتق دانييل آبوت التي بدورها تنتحر كما ترى صديقة الفتاة المراهقة أن مارك هاندرسون هو السبب وراء انتحار كاتي وما انفكت حلقة الافتراضات تزدادُ بعد استجواب الأقارب وتتشعبُ مسارات البحث وتُضافُ ملفات أخرى إلى مسرح الحدث بما فيها انتحار لورين والدة المُحَقِق شون عندما كان الأخير طفلاً.

التجاهل
يتصدرُ مقطع عن بركة الغارقات افتتاحية الرواية مع الإشارة إلى شخصية عوقب عليها بالموتِ غرقاً ويظلُ السبب مجهولاً إلى أنَّ تتذكرَ جوليا حكاية ليبي التي سمعتها على لسان الأُخت المُنتحرة، إذ كانت ليبي مُتهمةً بإغواء رجل مُسنٍ ترك زوجته وطفله من أجلها، ولايمكنُ تبيان دلالة هذه القصة المُتضمنة والغرض منها إلا بربطها مع الفقرات الأخيرة من الرواية كما لاتُدركُ جوليا مواقف أختها وحقيقة مشاعرها قبل لقائها روبرت كانون الذي اعتدى عليها سابقاً مع أنه كان تجمعه علاقة غرامية عميقة بدانييل آبويت إذ تفهمُ بأن دانييل لم تكنْ على علم بأن عشيقها اغتضب الأخت الصغيرة وأهانها ماخلف الشعور بالكراهية لدى جوليا إلى درجة مقاطعتها لـ(دانييل) ظناً منها بأنَّ الأخيرة غضت النظر عن تصرفات روبرت المُقيتة. وما يزيدُ من عزلة جوليا هو افتقادها إلى الجمال الذي تتمتعُ به الأخت الكبيرة ومن ثُمَّ تبتعدُ عن بيكفورد، وتتجاهل اتصالاتها المستمرة أكثر من ذلك لاتُصدقُ ماروتهُ دانييل آبوت في مقدمة كتابها الاستقصائي عن النساء الغارقات بأنَّها أنقذت أختها الصغيرة من الغرق، بل تتوهم عكس ذلك تماماً. هكذا ينتظمُ السردُ وينتقلُ الضوءُ بين شخصيات الرواية وتأتي شهادة والدةُ كاتي لويز الحانقة على دانييل آبوت مُتهمة إياها بالتورط في ما آل إليه مصيرُ ابنته مدعمة رأيها بالأدلة لصرف الانتباه عن المعلم مارك، لكن عثور لينا على سوار والدتها لدى الأخير يأخذ السرد إى اتجاه آخر إذ يعترف مارك بأنَّه وجد السوار عند هيلين زوجة المحقق شون هنا تتحول الشبهةُ نحو عائلة باتريك ويتم ربط هذا التطور بما قالته لويز لـ(إيرين )عن وجود علاقة بين المحقق شون ودانييل أبوت زدْ إلى كل ذلك كلام نيكي العجوز عن قتل باتريك لزوجته وتفنيد رواية انتحارها، مايعنى ضرورة البحث عن البعد المَخفي عن قصص المُنتحرات.

سقوط الأقنعة
تكتبُ الكاتبة البريطانية باولا هوكينز بأسلوب مفعم بالإثارة والدهشة إذ تتسارعُ حركة السرد بتأثير توفير مُعطيات جديدة وتنفتحُ حلقاته على احتمالات وتوقعات مغايرة، لما اتخذ قالب اليقينيات لدى شخصيات الرواية، فبدأت القناعات تتخلخل بفعلِ وجود تطورات مُفاجئة حيثُ تنسحبُ ظلال الشك والشبهةِ على من كان مُكلفاً بالحبث عن ملابسات وظروف انتحار كاتي ونييل ومايلفت النظر في هذا السياق هو قدرة شون على التمثيل وملاحقته لمارك هندسون، غير أن هذه الحالةَ ماتلبثُ حتى تنقلب فتشرعُ الشرطية إيرين باستجواب باتريك الذي سرعان مايعترفُ من دون الالتفاف ويخبرُ المحققة بأنَّه نزع السوار من رسغ نييل عندما جرها قبل أن يدفعها إلى النهر ولاينتهي الأمرُ عند هذا، بل يستعيدُ تفاصيل قتله لزوجته لورين ومن ثُمَّ ترويجه لسيناريو علاقتها برجل مجهول وانتحارها في بركة الغارقات. وهو قام بكل ذلك حسب ادعائه لحماية ابنه المحقق شون. في البداية لم يُعلنْ ارتكابه للجريمة كون شون صغيراً واحتاج لمن يرعاه ولاحقاً يقتلُ نييل أبوت لأنَّه كشف علاقة ابنه بتلك المرأة الغاوية مايعنى وجود تهديد على حياته الأسرية. ولاتتوقفُ سلسلة المُفاجآت والتحولات عند اعترافات والد المُحقق بل تُعيد المؤلفة شخصية «شون» إلى واجهة العمل لاسترجاع ماوقع في المنزل قبل أن توجد لورين في بركة الغارقات ناهيك عن استحضاره لما سمعه من عيشيقته نييل عن احتمال مقتل والدته قبل أن تلقىَ بها في النهر وما دار بينه وبين والده حول نهاية الأُم والأسئلة، التي كانت تغذيها الشرطية جيني وماتبع ذلك من غضب باتريك للابن ومطالبته بعدم فتح هذا الموضوع ولاتدع صاحبة (فتاة القطار) المتلقي من دون تحويل مؤشر الاتهام مرة أخرى إلى بقعة مُعتمة. إذ يعترفُ شون بأنَّه قتل نييل أبوت إذ يمضي الاثنان نحو بركة الغارقات بعد قضاء لحظات حميمية داخل الكوخ وما أن تقف نييل على قمة الجرف حتى يدفع بها المحقق بعيدا إلى عتمة الماء. يُذكر أنَّ هذا العمل أعمق من أن تُدَرَج في خانة الروايات البوليسية على رغم اعتماد المؤلفة على ماتتصف به الحبكة البوليسية من البحث عن أثر الجريمة والمُلاحقات، وتخدمُ هذه التقنيات كلها البعد النفسي والوجودي فضلاً عما تهدف إليه الرواية من الغاية الأساسية، وهي دحضُ مايسود في الخطاب الذكوري بأنَّ الانتحار غريزةُ متأصلة في شخصية المرأة مايجبُ الإشارة إليه أن الكاتبة فضلت أُسلوب البناء المتوازي في رسم المشاهد الأخيرة وفصلت بين وحدات الرواية بأسماء الشخصيات مازاد من تماسك هيكلتها وانتظامها.