اكتسحت الاناث المقاعد الأولى على المملكة في امتحان الثانوية العامة وأثبتت الطالبات،أيضاً وأيضاً، تفوقاً مذهلاً. ومع أن من المعتاد أن تحصد الفتيات في التوجيهي تفوقاً دراسيّاً أكبر من الشباب إلا أن نتائج هذا العام بدت ملحوظة ومبهجة من حيث» تأنيثها» بشكل كاسح للمقاعد العشرة الأولى في جميع الفروع بنسبة 85 بالمئة.
مبروك لفتياتنا هذا الانجاز الذي يرفع الرأس ويؤكد على التفوق الذي حققه الأردن في تعليم الإناث وارتفاع الوعي داخل الأسرة الأردنية بأهمية تسليح الفتيات بالعلم، لكن على ما يبدو أن هذا التفوق لم يرق للبعض فقد استوقفتني التعليقات العجيبة على مواقع الانترنت التي أشبعت هذا التفوق تحليلاً يمعن في الاقصاء والتهميش للمرأة، اذ رأى كثيرون أن هذا التفوق مقدمة للتعليم العالي للفتيات دون الشباب واشارة إلى أن المرأة الأردنية ستعتلي مناصب قيادية بشكل أكبر خلال السنوات القادمة وأنها ستكون متمكنة اقتصاديا وقادرة على إعالة عائلتها وهذا سيضع الرجل في خانة ثانوية!. ذلك بدل أن يتم تشجيع الفتيات على العمل والنجاح وبدل تشجيع الشباب على الاجتهاد أكثر لتحقيق تفوق أكبر وبدل تعزيز ثقافة المشاركة بين الطرفين يبث البعض رسائل تحذيرية من تفوق النساء على أنها تضعف سلطة الرجل، وكأن مكان البنت لا يحبّذ أن يتعدى الصفوف المتأخرة كثقافة متجذرة. هذا الكلام الغريب يقال ونحن في عصر المعلوماتية التي يتسابق فيها الأفراد بالمعرفة ويتنافس فيه هذا الجيل الذكيّ في التطور الفكري المتسارع.
لطالما كانت النساء متفوقات، ففي المدرسة علامات الفتيات مرتفعة وفي الجامعة تتخرج كثير منهن برتبة جيد جدا فما فوق، وفي الحياة العملية تضطر المرأة نتيجة للتمييز الواقع عليها في بيئة العمل أن تبذل جهودا مضاعفة أحياناً لإثبات ذاتها، وفي البيت هي الأم التي تحتمل مالا يحتمله الزوج، وهي المرأة العاملة التي لا تتذمر من العمل داخل البيت وخارجه لتساهم في مصروف البيت، وهي سنديانة الدار التي تلمّ نفسها المعطاءة جميع أفراد العائلة.
وأمّا لماذا يتأخر الشباب عن التفوق في الدراسة ولماذا تتفوق المرأة في ميدان العمل ولماذا لا يحتمل الزوج ماتحتمله الزوجة فلأنه اعتاد أن يكون «أولاً»بتصنيف المجتمع، وقد يركن إلى ذلك ما يستحضر في البال القصة الشهيرة لسباق الأرنب والسلحفاة!.
هل يغضب كلامي هذا البعض؟ لا أتصور أن موضوعاً أثار الجدل أكثر من المرأة، لكن نساء اليوم قوة هائلة في مسيرة التنمية لم يعد من الممكن إغفال طاقاتها أو تعطيلها..أما آن لنا أن نتجاوز ثقافة تحد من دور المرأة وتقلل من أهمية وجودها وهي ما زالت جنيناً في بطن أمها، وتثني عزيمتها إذا ماتفوقت وتبقيها ضمن أطر محددة إن اجتهدت. ثقافة كهذه ليس هذا وقتها بالتأكيد، فهي لا تؤدي إلا إلى المزيد من التراجع والجهل نحن في غنى عنهما في الوقت الحالي. نريد مستقبلاً تشاركيّاً صحّيّاً أطرافه رجل وامرأة.








5118, Amman 11183, Jordan