من يوم ولادتها في دمشق الذي صادف اليوم الاول من كانون ثاني 1935 الى يوم وصولها مع اهلها الى الحصن في اربد بني عبيد , كانت البنت الكبرى لوالدين مكافحين من عائلة متواضعة اصبح عدد أفرادها بالمجموع ثمانية أبناء، حيث أن ذلك زاد من عبء تحملها مسؤوليات كبيرة منذ صغرها، بضرورة مساعدة الوالدين بالحرص على الأخوة الصغار.
انتقلت العائلة للاستقرار بالاردن وتحديدا ببلدة الحصن عام 1942، تلك البلدة الخضراء وسهولها ترسم صورة ربيعية ضمن مناخ واستقرار يعكس تركيبتها السكانية واحتضانها للعديد من العائلات المهاجرة التي قدمت من أقطار بلاد الشام بحثا عن الاستقرار والسلم والأمان.
انخرط الأب للعمل بالجيش العربي، فشارك بجميع الحروب التي حدثت بين العام 1942 حتى العام 1970، فكان شاهدا وابنته الصغيرة على أحداث الحرب العالمية الثانية، والنكبة الأولى عام 1948.
أنهت دراستها الاعدادية بعمر الرابعة عشرة، وهو الصف الأعلى بمدارس اللاتين في ذلك الوقت، فانتقلت لمهنة التدريس لمادة اللغة الفرنسية بمدارس الراهبات في اربد المدينة، لكن المعلمة الصغيرة قد اصطدمت بواقع اجتماعي يتمثل بصعوبة الانتقال بين اربد والحصن بسبب محدودية وسائل المواصلات، إضافة لظروف الحياة الريفية التي تسمح بمساحة محدودة للأشخاص، مع الايمان المطلق بقدسية وسرية ظروف العائلة.
تركت مهنة التدريس بطيب خاطر وتعلمت حرفة الخياطة بواسطة والدتها السيدة ماري مارديني، فأصبحت الحرفة مصدر دخل محدود للعائلة، حيث أن روتين التدرج الحياتي قد قادها للارتباط بزوجها المرحوم موسى جورج فرام قبل أن تكمل عمر الثامنة عشرة، فانتقلت للحياة مع عائلة جديدة متواضعة بظروف اجتماعية متساوية.
صفحات حياتها لم تكن سهلة، فالظروف المادية صعبة، والعائلة كبيرة العدد من حيث المتطلبات والأساسيات، والدخل المادي محدود بالرغم من مواصلة العمل على مدار الساعة، فبين توفير الظروف المثالية للأبناء المجتهدين، وتهيئة الجو المثالي للعائلة والالتصاق الرهيب بماكينة الخياطة رفيقة الدرب، كانت تساهم بقدر مكمل لدور الزوج الموظف صاحب الدخل المحدود.
قصة الانجاز صفحات أصبحت نقشا في ذاكرة الأيام، فالصحيان المبكر لإشعال فرن الخبز اليدوي على الحطب من أجل توفير الخبز البيتي الساخن ومناقيش الزعتر والمعجنات، ثم تحضير الزي المدرسي للأبناء، يتخللها استكمال درزة على الماكينة ورثي بنطال أو قميص، حتى إذا جاءت الساعة السابعة ليستعد الأبناء للذهاب للمدرسة، لتبدأ حلقة المسلسل اليومي الثانية بتحضير وجبة الغداء للعائلة بأساسية الطبخ على أن يكون لعمل ماكينة الخياطة نصيب وافر من البرنامج، ليبدأ فصل المتابعة والتحصيل والتدريس بعد أن يفرد الأبناء ما بجعبتهم الدراسية لليوم بمتابعة شخصية من الوالدين، حتى إذا جاءت ساعات المساء اصبح الاستعداد للنوم المبكر بالنسبة للأبناء خطوة ارشادية لكسب الصحة والمحافظة على التفوق.
بعدها يبدأ عمل المنزل واتمام مواعيد الخياطة كعامل دخل مساعد، فلم تعرف ساعات نوم تزيد عن ست طيلة فترة الكفاح والعمل. كانت الأنيس والرفيق لأبنائها أثناء فترات الامتحانات، ولم تغمض عينها وأي من الأبناء خارج حدود المنزل ولأي ظرف، مؤمنة أنها الشخص الأخير بالعائلة الذي يطفىء شموع الليل استعدادا للنوم، والأول الذي يفتح صفحة إشراق الصباح.
كانت حياتها مزيجا من الكفاح والحرمان والهمة ,لصنع أركان عائلة مثالية بقدر الجهد، فاستطاعت أن تساعد بتوفير المطلوب لجميع أبنائها حتى لو تطلب ذلك مغامرة ورحلة، بشعار القناعة المغلف للأمل بإيمان وتقوى واحترام الغير بتواضع جهدت بزرعه لدى الأبناء, ليكونوا قدوة ، فجنت ما زرعت طيبا.
تغير اتجاه بوصلة الشقاء بمنتصف ثمانينات القرن الماضي بعد أن أصبح الأبناء الكبار الثلاثة يوفرون الدخل المادي اللازم للعائلة، فهبت رياح التغيير ولكنها لم تغير القناعات الشخصية من حب الخير ومساعدة الفقراء والمحتاجين، ومع بداية العقد الأخير من القرن الماضي كان لها أن ترتاح من العمل لتنعم بحصاد بذارها بقارص الأيام، ولكنها نشيطة، متابعة، مؤمنة وقد أدركت أسرار السعادة وتطبقها.
كانت وصيتها وما زالت للأبناء والأحفاد أن التاريخ يبنى على الانجاز والعمل والأحداث، آمنت بحكمة حفرتها بأرشيف الذاكرة بأن للانسان أن يحلم بما يريد، ويذهب حيث يشاء، فالحياة واحدة وفرصة واحدة لفعل كل ما تتمناه من عمل الخير فإن لم تكن حقيقة، فجميل أن تكون حلما مميزاً، لأنها الحياة رحلة اليوم، وتصبح غداً في الذاكرة، حيث الامل يبقينا على حدود السعادة والحكمه تبقينا اقوياء فنملك أيقونة السعادة التي ربما مصدرها اشخاص يستطيعون ان يجعلوا اللحظات شيئا مهما في الذاكره لا تنسى ابدا.
شانها كما هم الطيبون والبسطاء لا صفحات في حياتهم للحقد والكراهية، فهي مؤمنة أن السعادة تبقيها لطيفة، براقة، ومعطاءة، حيث علمتها تجارب الزمن القاسي أن القوة والقناعة والمقاومة تمثل علاجا شافيا لنخر الزمن.
علمت أبناءها الاعتماد على النفس وحب الاخر واحترام الاختلاف وكانت تؤمن بالحوار وتدرب ابناءها عليه ,وأدركت بقناعة أن الاستثمار الحقيقي الذي يدوم وينتج دون التأثر بعواصف الزمن يتمثل بالتسلح بالعلم، فباعت مساغها الذهبي إضافة لمبلغ متوفر مع الزوج العصامي لشراء قطعة أرض بالعاصمة عمان، وعندما أصبح الأبناء الأربعة الكبار على مقاعد الجامعة، ضمن حقيقة محدودية الدخل وعجز الاستمرار، فكان استخدام الرصيد ببيع الأرض لفرش الاطمئنان والراحة للأبناء بجهد التحصيل فكان التطبيق الواقعي لقاعدة حياتية عن فائدة الأرض والمال إن لم توظف لسعادة أصحابها.
تعشق الطبيعة منذ الصغر وحتى اليوم، طافت جميع قارات العالم، وتحفر في ذاكرتها صور الطبيعة الجميلة من أوروبا، أمريكا، آسيا، أستراليا، أفريقيا، بإفراد متميز لمناطق بلاد الشام وقلبها أرض فلسطين.
ما زالت تستعيد حكمة الأجداد ومن كدوا وتعبوا لبناء الوطن الجميل وما زالت تردد كلمات أن السعادة لا تدوم,فأن أتت,فعشها فلا حكمة بتأجيلها للغد.








5118, Amman 11183, Jordan