إنتابتني موجة من تضارب الافكار، وأنا استمع لقصة "زين" التي تعرضت لها خلال مشاركتها زميلاتها في رحلة مدرسية الى منطقة البحر الميت. رحلة مدرسية.. طالبات يلهون معاً.. ضحكات متناثرة هنا وهناك .. تقاسم في الهوايات المشتركة وتبادل الأسرار والأطعمة، الأمر إلى هنا يبدو طبيعياً. إلى أن ظهر صبية صغار في المرحلة الابتدائية، كانوا في رحلة مدرسية أيضا في ذات المنطقة..
أطفال يلتقطون صوراً للصبايا، ويبيعونها
وجّهوا نظراتهم إلى طالبات الثانوية اليافعات، الأمر لم يقف عند هذا الحد، إذ تطور إلى إلتقاط صور بواسطة هواتفهم الخلوية لبعضهن .. أمسكت الفتيات بأحد الصبية بعد ان تنبّهن، ووجّهن له سؤالا ً.. لماذا تصوّرنا؟ وكانت الإجابة غير المتوقعة: "نحن نبيعها لطلبة الثانوي!".
عادت بي الأفكار بعد هذه القصة إلى البحث عن الأسباب والدوافع التي تجعل من هؤلاء الفتية الصغار يفكرون بالبحث عن الأمور المادية التي تنسيهم القيم الأخلاقية التي يتلقونها من أسرهم ومجتمعهم ويتعلمونها في مدارسهم.
ليسوا بحاجة للمال، فما هو السبب؟
لن أفاجأكم إن قلت لكم: إن هؤلاء الصبية يتلقون تعليمهم في مدارس لا تسمح بالدراسة فيها إلا لمن يعيشون في بحبوحة من العيش، فماذا ينقص هؤلاء؟ كل ما يتمنونه متوافر:"مال ،العاب ، نواد "، وربما أشياء أخرى لا نعرفها تتعلق بالسلوكات والقيم المتبعة في مجتمعنا.
إذن ما المشكلة ؟ ولماذا؟ أسئلة ليس بالأمر الصعب الاجابة عنها، لكن يبقى السؤال الاهم الذي لم أجد له أي تفسير محتمل، وهو: أين الاهل من كل ذلك؟ .. هل تخضع هواتف هؤلاء الصبية لرقابتهم ؟.. وهل يلحظ الاهل ما يتوافر بين أيدي ابنائهم من اموال تفيض عما يقدمونه لهم من مصروف متفق عليه (يوميا او اسبوعيا او شهريا)؟.
والسؤال الاكثر اهمية هو: لماذا تغيب السياسات التعليمية الفاعلة والمؤثرة في ذهنية هذه الاجيال الناشئة ؟
ماذا يمكن لهم أن يبيعوا عندما يكبرون؟
ما يدعونا إلى مطالبة المسؤولين عن السياسيات التعليمية لمراجعة مناهجنا، والاهتمام بمضامينها ومدى توافقها مع سلوكات الطلبة والتطورات الحديثة التي فرضتها ثقافة العولمة .
ولا نغفل دور الاعلام لتأثيره المباشر في بناء السلوكات، ودور الخطاب الديني في تنمية الوازع الديني واحترام الخصوصيات والالتزام بالاخلاقيات التي يجب ان يتحلى بها طلبتنا، وأبناء المجتمع كافة .
إن أكثر ما يفيد طلبتنا في مواجهة السلوكات السلبية الوافدة هو بناء علاقة وطيدة بين الطالب والمدرس من جهة، وبين المدرسة والبيت من جهة أخرى، والتي تعززها النشاطات اللامنهجية والحوارات المتبادلة بين الأطراف المتعددة؛ للوصول الى خطط وبرامج تعود بالفائدة على الطالب والمجتمع الذي يهمنا أن يبقى متماسكاً .
نحن لا نتحدث عن عملية بيع وشراء، إنما نتحدث عن وطن سيكون هؤلاء الصبية في المستقبل القريب هم قادته .
فاذا اليوم بحثوا عن حفنة من المال ؟.. فماذا يمكن لهم ان يبيعوا عندما يكبرون ؟!








5118, Amman 11183, Jordan