آسيا التل (أم المنتصر) .. كنت من الأوائل في صفي وما زلت بعد 82عاما أحلم بشهادة جامعية

الرئيسية > المركز الاعلامي > الأخبار > آسيا التل (أم المنتصر) .. كنت من الأوائل في صفي وما زلت بعد 82عاما أحلم بشهادة جامعية
Printer Friendly, PDF & Email

هذه الصفحة بيت ضيافة أردني لخزائن الخير والرضى ..
هم الذين انعم الله عليهم بطول العمر المؤثث بالذاكرة الشابة. لديهم التجربة والحكمة والرضى، ما تفيض به نفوسهم فيغدقونه على الأجيال الجديدة، وفاءً للوطن واحتسابا للألفة الاجتماعية وشحنا للعزيمة في مستجدات حياة سريعة لا ترحم.
من باب الاحترام الكثير والثقة العالية، كانوا يسمونهم ''القرامي'' وهي الجذور العميقة والسيقان الصلبة للأشجار الوارفة. نُقبّل أيديهم ورؤوسهم وفاءً لهم وانتظاراً لما يقولونه من حكمة أو يستدعونه من ذكريات وقصص، وامتثالا لما يحرصون عليه من صلة الرحم وكافة خصال الخير التي تحتاج الأجيال الجديدة من يُذكّرهم بها.
''مِنْ زمان'' بيت ضيافة ''الرأي'' الذي نلتقي فيه هذا الجيل الأثير وهو يعيد على مسامعنا بعضا من صفحات تاريخ العزّ المدوّن في الذاكرة الوطنية.

ملك يوسف التل - جاءت طفولتها مختلفة عن أبناء جيلها .. سنواتها الأولى عاشتها بالعلم فنهلت منه ما استطاعت لتحقيق حلم لطالما راودها في سن مبكرة للحاق بشقيقها الذي سبقها لمتابعة دراسته في جامعة دمشق لتسكن معه في البيت الذي جهزه طوال سنوات دراستهما، لكن الرياح عاندتها لتنتقل إلى بيت الزوجية ليس بالقوة ولكن دون استعداد.
في السلط مسقط رأسها ولدت آسيا التل عام 1927 ودرست فيها حتى الصف الثامن، وعلى مدار سنوات دراستها كانت متفوقة على طالبات مدرستها بحصولها على المرتبة الأولى في نهاية كل عام دراسي، وبعد الصف الثامن تابعت مشوارها بتعليم نفسها بنفسها بعد ان خاب أملها باللحاق بشقيقها فشعرت ان طموحها الذي كان سقفه السماء جعلها وحيدة لساعات طويلة كانت تقضيها خلف طاولة مكتبتها تنبش ذاكرتها الممتلئة بكتب مليئة بالحكمة والمعرفة وكتابة الشعر والمقالات.
أما الزواج فكان آخر ما كانت تفكر به.
أم المنتصر تحتفظ في دولابها كل ما كتبته من شعر ونثر منذ أكثر من أربعين عاما وهي من أغلى ما تملك من ذكريات الطفولة والصبا وحتى ما بعد الزواج .
قصيدتها التالية رثت بها زوجها عبد الله التل المجاهد المدافع عن القدس وأرض فلسطين والعروبة قالت:

ماذا أقول وسهد العين يضنيني
يا عين في الغد يأتي من تحبينا
فأصبر، الصبر والإيمان يجذبني
لله التزم الرحمن والدينا
زوجي الكريم الخلق ليس له
يد يشابه في السير النبيينا
زوجي وحقك ما فارقتني أبدا
ولم تغادر حمى قد ضم ماضينا
على هداك نسير السير لا عِوجا
كأنما أنت فيما بيننا فينا
وعدي إليك أنا للوعد حافظة
أرعى ودادك يا من كنت هادينا
لولا الصغيرة إيناس عجلت
إلى لقياك يا سيدي ألقى المحبينا
فلست ميتمة أبناء زوج
حليم مثله لا لن يكونا
سأبقى بين أبنائي وبنتي
أقول لهم أبوكم يحتوينا

* في أي سن تزوجت؟

تزوجت في سن 19 عاما وزوجي لم أره ولم يراني إطلاقاً، فأنا كنت حتى مع أهلي أعيش وحيدة ، ولا اقصد انني كنت انطوائية لكنني كنت أحب أن اختلي بنفسي لأجد متعتي في القراءة والمطالعة والتفكير بمستقبلي كفتاة حلمها انحصر بالعلم ومزيد من التعلم والمعرفة .
لم تكن تغريني أحاديث بنات جيلي ، ولم أكن مغرمة بمتابعة الموضة والسفر وما شابه من أحلام الفتيات. فقط كان العلم هاجسي ولم أحقق منه الكثير أبدا.
* هل أرغمك والدك على الزواج ؟
والدي رجل طيب كباقي الآباء المنتمين لأسرهم الساعين على تلبية طلباتهم ،كان يرحمه الله يعاملنا معاملة مثالية مؤمنا بتعليم البنات سواسية كأخوتهم الشباب ، يؤمن بالحوار والرأي والرأي الآخر وقد بدأ حياته العملية بالجيش وبسبب العداء الذي كان بين العرب والأتراك خرج من الجندية ومارس مهنة الفلاحة في أرضه. والدي الفلاح أحب العلم ولم يرغمني على الزواج وكان يرى أحلامي تكبر في العلم خاصة ان والدتي نالت نصيبا من العلم مقارنة بأبناء جيلها عندما أرسلها والدها وهو جدي وكان رجلا متعلما أرسلها إلى ''الدير'' لعدم وجود مدارس للإناث في أيامها ، وقد حافظت على دينها وإسلامها، فتعلمت وكان شرط والدها ان تتعلم القراءة دون الكتابة خوفا من مصاحبة الشباب فكانت تقرأ ولا تكتب ومع ذلك أرادت لنا ان نتعلم أنا وشقيقتي وشقيقي الوحيد الذي تابع دراسته في جامعة دمشق وكنت آمل وأحلم الالتحاق به لمتابعة دراستي وقد أحسّ والديّ برغبتي في تكميل تعليمي بعد ان أنهيت الصف الثامن في مدرسة السلط لكنني لم أيأس وبدأت أعلم نفسي بنفسي فكنت أحب الوحدة كثيرا للجلوس مع الكتاب اقرأ واكتب الشعر والخواطر وما شابه.وما زلت أشتاق لو أنني أكملت تعليمي حتى يومنا هذا.

* قياسا بالماضي الم يكن سن زواجك متأخرا؟
صحيح، لكنني كما قلت كنت أرفض الزواج، حيث أن أمنيتي وحلمي كان متعلقا بالتعليم واللحاق بشقيقي لمتابعة دراستي الجامعية.
* كيف تعرفت على زوجك؟
كان صديق لأخي يدرسان معا في غرفة بالجوار، وكانت (الداده) تقوم بالطبخ وإرسال الوجبة إليهما . أنا لم أكن اعرفه ولم أراه أبدا وهو أيضاً لم يرني. ومن أجل النصيب قام بخطبتي عندما تقدم أهله لطلبي من أهلي واتفقوا دون أن يخبروني. وعندما علمت بذلك تجنبت ان أظهر عليه ولم أكن أجعله يراني أو أراه. وكان والدي يتوسل إلي للقاء به ولو مرة واحدة لكنني كنت أرفض وبشدة.
* لكنك كنت مؤهلة كفتاة في مثل سنك للزواج .
صحيح كنت في ال 19 من عمري وفي مثل عمري في تلك الأيام ممكن ان أكون أما لثلاثة أو أربعة أبناء لكنني كنت أرفض لأنني كنت أخاف على والدي ووالدتي البقاء لوحدهما أيضا حيث لم يكن هناك من أحد لخدمتهما والاعتناء بهما بعد زواج أختي التي تكبرني ، فبقيت أخاف عليهما . وأصبحت متضايقة من هذا الأمر الذي بدأ الحديث فيه منذ كنت في سن 16 سنة مما شعرت في حينها بغضب شديد لمدة ثلاث سنوات ، وفي سن الـ19 جاء أهلي وأحضروا لي ملابس جديدة وجميلة ، وبعد مدة جاء أهل العريس لتحديد موعد الزواج، وتم ذلك، فتزوجت وقلبي مقطع اشعر بالألم لأنني لم أكن أريد الزواج في ذلك الوقت. وبعد الزواج تعرفت على زوجي جيداً وصار هناك تآلف ومحبة بيننا. فأحببته وأحببت أهله وخدمتهم من كل قلبي خاصة والدته رحمها الله حيث كانت سيدة راقية قليلون أمثالها.
* هل كان هناك جاهه وقت خطوبتك؟
نعم كانت جاهة كبيرة، تضم جميع أكابر اربد والسلط، وتم تقديم الكنافة التي تم صناعتها في البيت. ثم تزوجنا في حفل بسيط تملأه سعادة كبيرة وتضيئه أما ني صادقة.
* ما أول هدية قدمها لك ؟
كانت ''تسريحة'' علبة ماكياج كبيرة طولها حوالي مترا ونصف المتر، وفيها كل ما تحتاجه الفتاة للتزين به، وفيها أيضا تحف فخمة ، كان ذوقه جميلا وراقيا وأكثر من كل هذا وذاك كان رجلا بكل ما تحمله الكلمة من معنى الرجولة والقوة والإنسانية والإخلاص والتضحية كان حساسا غيورا على أهله وصحبه ووطنه فضحى بكل ما يملك من اجل حياة كريمة لكل الأجيال بفخر واعتزاز. كان زوجا صالحا ورجلا مثاليا وبطلا لا يقهر . عشت معه سنوات حب وأمل دون ان يخدش مسامة في جسدي ، فالاحترام بيني وبينه سيد الموقف وهو شعار آمن به وطبقه.
* صفي لنا ثوب زفافك؟
لم ارتدِ ثوب الزفاف الأبيض كما هو متعارف عليه، لبست فستانا عاديا وكنت مكتفية هكذا وراضية أيضا.
* لكن الثوب الأبيض حلم كل فتاة؟
* ''ضحكت'' وقالت: إلا أنا لم أشأ ان ارتدي الثوب الأبيض يوم زفافي وقد رفضت ذلك بشدة لأنني لم أكن أرغب أن أكون عروسة ، كما رفضت عمل حفلة الحناء التي تقام عادة قبل يوم الزفاف بيوم أو يومين . كما انني لم أذهب إلى الصالون بل كان كل شيء في البيت. فرفضي لم يكن سببه شخصا بعينه فزوجي عشت معه أجمل أيام حياتي وهو رجل لم ولن يتكرر أبدا لكن الزواج ككل لم يكن هدفي أبدا فعبرت عن رفضي وأنا لست نادمة حتى الآن أنني لم ارتدِ الثوب الأبيض يوم فرحي.
* س: كم كان متأخر الزواج؟
لا أعرف.
* هل سكنت مع أهل زوجك أم في بيت مستقل؟
سكنت مع أهل زوجي، مع حماتي وبناتها، فكانت شقيقات زوجي متزوجات ويسكن حولنا، فكنا عائلة واحدة وأنا كنت مسرورة معهم. واربد بالنسبة لي كانت مدينة جميلة جدا أحببتها وأحببت أهلها وأجواءها كما وكنت أحب خبزهم وطعامهم.
* ما المشاكل التي تحصل عادة بين ''الكنة '' و''حماتها'' في البيت الواحد؟
قد لا يصدق أحدا انني وطوال المدة التي عشتها في بيت أهل زوجي وهي مدة طويلة انه لم تحصل بيننا أي مشكلة، فكانت المحبة متبادلة بيننا. فكنت أخدمهم وكانوا مسرورين مني نتعامل أسرة واحدة. كما وكانت معاملة زوجي لي معاملة جيدة، لقد قلت انه شخص مهذب وأديب وراق جداً، وكان يسافر كثيراً بسبب العمل، يذهب إلى العراق ولندن ومصر، والجزائر ويغيب طويلاً، لكنه كان دائماً يراسلنا.
* هل أنهى زوجك دراسته الجامعية؟
لم يكن قد دخل الجامعة بعد، بل كان قد أنهى التوجيهي من مدرسة السلط الثانوية .
وقد استمرت خطوبتنا ثلاث سنوات وكان عمره عندما تزوجنا 23عاما.
* كثرت أوصاف زوجك في كتاباتك .. تارة تصفينه بالمجاهد وتارة بالحر وتارة أخرى بالأب والزوج فمن هو عبد الله التل؟
أبو المنتصر كل ما ذكرته وأكثر كثيرا.. هو صخرة من الصخور العربية التي لا تقبل التفجير، ومن سيوف الإسلام التي لا تقبل الانحناء، رجل رفض الانكسار سعيا وراء الحق والحقيقة قوي جريء. ولد في اربد عام 1918 وبدأ حياته العملية بعد ان انهي الثانوية العامة من مدرسة السلط موظفًا مدنيًّا في مديرية الجوازات، وفي عام 1937حصل على شهادة الاجتياز العالية ثم ملازما في الجيش العربي عام 1942 كما وحصل على دورة أركان الحرب من بريطانيا عام 1946، ومن عام 1948-1949، عُين حاكما عسكريا للقدس وهو من الضباط الأردنيين الذين دافعوا عن القدس روحا وجسدا ، وسُمي ''قائد معركة القدس''. اسمه ارتبط بالمدينة المقدسة دفاعا عن هويتها الإسلامية وعروبتها حتى صار مصطلح ''بطل القدس'' ملازما لاسمه. والمقدسيون وغيرهم من المجاهدين العرب يتذكرون بطولاته ضد العصابات الصهيونية، وربما كانت واحدة من أقسى اللحظات التي عاشها أبو المنتصر لحظة إعلان الهدنة وتوقف المعارك، وهو يرى بأم عينه جزءًا عزيزًا من فلسطين ومن القدس الشريف قد أصبح تحت سيطرة العصابات الصهيونية. وبسبب شجاعته وكفاءته كان قد سجل سابقة حميدة في الجيش العربي، حين حصل على أربع ترقيات عسكرية خلال ست سنوات وحصل على درجة الماجستير في الآداب عام 1965من جامعة الأزهر.
*كيف تصفين يوميات جندي في المعركة؟
أبطال المقاومة طلقات رعد .. قنابل .. دماء شهداء...هذه كانت صورة المعركة
خيوط الفجر تنير آفاقهم لينهضوا من سبات
الليل مجددا في متابعة الطريق.
طريق مليء بالحب والأحلام لعالم ملطخ بدماء الأبرياء .. إنهم منا لكنهم ليسوا معنا.. وكم كنا وما زلنا نشتاق لهم .
لم نكن نراهم إلا قليلاً، يأتون متعبين مرهقين يريدون ان يرتاحوا فقط، واذكر عندما كان أبو المنتصر يأتي كان البيت يمتلئ بالأهل والأقارب والأصدقاء لرؤيته، فكان محبوباً من قبل الجميع، وعندما دخل القيادة في القدس عرفه الناس فأحبوه كثيراً لصفاته التي رافقته طوال حياته ويا لها من صفات.
* متى أول مرة خرجت بها من الأردن؟
بعد أن غادر أبو المنتصر الأردن إلى مصر عام 1960 لحقنا به أنا ووالدته وشقيقتي وكان معنا العم فضيل.
* هل كان يأخذ برأيك؟
كثيراً، وكان يعرفني على الضيوف العرب الذي كان يجتمع بهم كما انه لم يكتب أي شيء إلا ويجعلني أقرؤه، أو عندما كنت أكتب شيئا كنت أقرأه عليه وكان يمدح كتاباتي كثيراً لبلاغتها. وكان يحضر لي الكتب لأقرؤها.
* مرت عليك الحياة بحلوها ومرها، ما المرارة العالقة في ذهنك لغاية الآن؟
لم أشعر بالمرارة إلا عندما فقدت زوجي، فكانت مرارة وما زالت. ولكنني بحمد الله قمت بتعليم أبنائي الخمسة وشقيقتهم الوحيدة إيناس وربيتهم كما أراد لهم والدهم وقد شقوا طريقهم بما يرضي الله ويريح ضميري وضمير والدهم في آخرته.
* لو عاد بك الزمن للوراء هل تغيرين شيئا من مساره؟
لا .. لن أغير أي شيء، لأنني رضيت بكل محطات حياتي وسعدت بها وكفاني فخرا أنني زوجة بطل من أبطال العروبة والإسلام، وأم لأبناء مجاهد مات وفي قلبه القدس وما اغتصب من فلسطين.
* بالمحصلة ما النتيجة التي خرجت بها من هذه الحياة؟
الصبر. وما أجمله.