تنفست النساء والمنظمات العاملة في قضايا المرأة الصعداء حين صدر قانون الحماية من العنف الأسري في 16 آذار الماضي، لما سيسهم بتخفيف آثار العنف ويحاسب من يمارسه.
بيد أن الفرحة لم تكتمل فالقانون صدر مع وقف التنفيذ ، ليس بقرار رسمي وإنما للتباطؤ الحكومي بإصدار الأنظمة والتعليمات ولجان الوفاق الأسري التي تفعل القانون، ويمكن عبرها تطبيقه على القضايا المحولة للقضاء.
الأردنيات وجدن الاحتفال بيوم المرأة العالمي لهذا العام خصوصا وانه يحمل شعار متحدون معا لحماية المرأة من العنف ، ومن قبله تصريحات جلالة الملك الذي أكد فيها أن العنف غير مسموح ضد المرأة ، فرصة لإعادة التذكير بضرورة سرعة إصدار الأنظمة والتعليمات التي تجعل قانون الحماية من العنف الأسري قانون مفعل ونافذ.
القانون يواجه عائقا آخر لا يقل أهمية عن خلوه من الأنظمة التي تفعله، وهو أن المجتمع والعاملين في مجال العدالة لا يعلمون عن القانون ، ما يعني أننا في حاجة ماسة للتوعية بمواد القانون وأهميته للجهات المستهدفة من وهم المرأة والأسرة ككل، والمحاميين ومنفذي العدالة.
وأشتمل القانون على تعريف مفهوم العنف الأسري تعريفا دقيقا، وركز في مجمله على وحدة بنيان الأسرة ، وشمل الأقارب من الدرجة الثانية، وجميع أفراد الأسرة بمن فيهم الأطفال والنساء والمسنين وكل من يقيم في المنزل.
واعتمد في الأساس على الوفاق والإرشاد الأسري اجتماعيا ونفسيا ، ما دام لا يوجد في الشكوى أي تجريم، إذ تحول القضية على لجان الوفاق الأسري المخولة وفق القانون بإيجاد حل سلمي للقضية، مع حفظ حق المشتكي بالذهاب إلى المحاكم، وإذا لم تتوصل إلى حل، يلتجئون لجلسات إرشاد نفسي واجتماعي. ووفق المادة 19 من القانون فإن مجلس الوزراء يصدر الأنظمة اللازمة لتنفيذ أحكام هذا القانون، فيما تنص المادة 20 على أن الوزير يصدر التعليمات اللازمة لتنفيذ أحكام هذا القانون، وتنص الفقرة أ/1 من المادة6 على أنه تؤلف بقرار من الوزير، بالتنسيـق مع ادارة حماية الأسرة لجان تسمى (لجان الوفاق الأسري) ويحدد في هذا القرار عدد أعضاء كل لجنة ويسمي احدهم رئيسا لها.
وزيرة التنمية الاجتماعية هالة لطوف قالت ل الرأي إن الوزارة بعد أن فرغت من إعداد مشروع الأنظمة والتعليمات رفعته إلى ديوان التشريع.
وبينت الوزيرة أن المشروع بعد أن ينتهي ديوان التشريع من دراسته، سيرفع إلى مجلس الوزراء لإقراره، معربة عن أملها أن يتم الإسراع في إقراره.
أمين عام اللجنة الوطنية لشؤون المرأة الأردنية أسمى خضر شددت على ضرورة الإسراع بإقرار الأنظمة والتعليمات وتشكيل لجان الوفاق الأسري التي نص عليها القانون. وبينت أنه رغم مرور عام على صدور قانون العنف الأسري، ما زلنا نلجأ بحل قضايا العنف السري بالوسائل المتاحة بموجب القوانين النافذة مثل قانون العقوبات الأردني الذي يحتاج إلى تطوير، وإلى الصلاحيات الممنوحة لغدارة حماية الأسرة، ونظام دور حماية الأسرة من العنف، والذي أنشئ بموجبه أول دار وفاق أسري.
وذهبت المديرة الإدارية في إتحاد المرأة الأردنية مكرم عودة إلى أبعد مما قالته خضر، فبوجهة نظر عودة فإن قانون العنف الأسري صدر في أدنى درجة من المطلوب.
وأضافت أنه بالرغم من أن صدور القانون هو إنجاز للأسرة، إلا أنه ليس كافي ولا يلبي الطموح المطلوب، فالقانون حتى يطبق ويفعل بشكل كامل وفقا لمكرم يجب أن تشكل لجان الوفاق الأسري بقرار من وزير التنمية الاجتماعية وبالتنسيق مع إدارة حماية الأسرة، وبالأنظمة اللازمة والتعليمات لتنفيذ القانون بقرار مجلس الوزراء.
فعدم صدور التعليمات والأنظمة على ما قالت مكرم لا تستطيع إدارة حماية الأسرة تحويل الأطراف في حال موافقتهم كما نص القانون إلى لجان الوفاق الأسري.
وأضافت أن القانون على هذا الحال يبقى معطل وغير مطبق ومفعل لحين تشكيل هذه اللجان ، وزادت أن تأخير تشكيل اللجان يؤثر على عدم حل قضايا العنف الأسري، وتحصيل حقوق المرأة المعنفة، فضلا عن أنه يؤدي إلى تفريغ القانون من محتواه ، وبالتالي يصبح القانون كأنه لم يكن موجود أصلا .
مسؤولة البرامج القانونية في مجموعة القانون من أجل حقوق الإنسان المحامية نجاح عناب لفتت إلى ضرورة الإسراع بإصدار الأنظمة والتعليمات، مشيرة إلى أن عدم تفعيلة لغاية الآن أثر سلبا على القانون من زاوية عدم معرفة المجتمع والمحاميين به، ما أدى إلى عدم استخدامه بقضايا العنف.
وترى عناب أنه كي تكتمل الصورة ينبغي إلى جانب صدور الأنظمة المذكورة، تشكيل محاكم أسرية بحيث يصبح لدينا قضاة ومدعين عاميين ومحاميين مختصين بقضايا الأسرة، ما يسهم بتخفيف من آثار العنف الواقع على الأسر.
ولتجاوز حالة الصمت التي تختارها النساء خوفا من المجتمع والرجل المعنف ينبغي وفق مكرم تعديل القانون بما يسهم كسر حاجز الصمت، إذ أن معظم القضايا والشكاوى لا تجد طريقها إلى المحكمة أو الشكوى بها .
الأسباب كما قالت مكرم العادات والتقاليد وتخوف المرأة من نظرة المجتمع لها لوصولها إلى المحكمة بالرغم من وقوع عليها وعلى أفراد أسرتها.
وبينت أن القانون بشكله الحالي لا يسهم بكسر حاجز الصمت ذلك لأن الشكوى لا تحول على لجان الوفاق السري إلا بموافقة الأطراف وفي حال عدم الموافقة تحول الشكوى إلى المحكمة.
وبرأي مكرم فإنه من الأفضل إحالة كل حالة عنف حكما إلى اللجان الأسرية، وفي حال تكرار العنف على المشتكي عليه لا يتوقف عند دفع غرامة فقط، بل ينبغي أن يتضمن القانون خدمة إلزامية يقدمها المشتكي عليه كخدمة المجتمع كعقوبة بديلة.
ودعت إلى توفير مراكز إيواء للمعنفات وتعميمها في جميع أنحاء المملكة، وتوفير شرطة نسائية مدربة لتعامل مع ضحايا العنف، بالإضافة إلى أن يكون محاكم أسرية مختصة وأن يتم تدريب الكادر لتعامل مع هذه القضايا.
وقف العنف ..كيف ومتى ؟
يعد العنف الأسري من الظواهر التي يمتد تأثيرها على الأسرة والمجتمع بشكل عام، ويتأثر منها سلبا ليس فقط المرأة وإنما أفراد الأسرة كافة خصوصا الأطفال، ويصبح من الصعب الحد من الظاهرة إذا لم يتم العمل على أصعدة مختلفة مع جميع أفراد الأسرة.
المدافعات عن حقوق المرأة أجمعن على ضرورة توعية المجتمع رجالا ونساء وتغيير اتجاهات التفكير، مشددات على أن لا تتوجه البرامج والأنشطة على المرأة دون الرجل.
فالمحامية عناب ترى ضرورة التركيز على التوعية والإرشاد بحيث يستهدف بها الرجل والمرأة معا، مع الانتباه إلى أهمية تعريف المجتمع بالآثار السلبية الناجمة عن العنف ليس الجسدي وحسب وغنما النفسي الذي تظهر آثاره لاحقا على أفراد الأسرة.
وتعتقد مكرم أن التغيير المنشود بالحد من العنف الأسري يحتم التوعية والإرشاد وتغيير اتجاهات التفكير لدى عامة أفراد المجتمع تجاه النظرة لدور المرأة ومكانتها والتعامل مع قضايا المرأة واحتياجاتها كقضايا مجتمعية تخص الجميع.
ومن طرق الحد من العنف تمكين المرأة اقتصاديا وانخراطها في برامج التأهيل والتدريب، بحيث يكون للمرأة دورا فاعلا بالأسرة والمجتمع، على أن تتضافر الجهود الرسمية من هيئات حكومية وغير حكومية ومنظمات مجتمع مدني من أجل العمل على خطط وطنية تشاركية في رسم البرامج وتنفيذها بما يمكن النساء من الوصول إلى مراكز صنع القرار.
الخطوات السابقة ينبغي وفق مكرم مرافقتها بالعمل الجاد لتعديل القوانين التي ما زالت تحمل في طياتها نصوصا تشكل تمييزا ضد المرأة وانتقاصا لحقوقها خصوصا قانون الأحوال الشخصية.
أهمية التشاركية لفتت إليها خضر، التي ترى أننا في الأردن أصبحنا متحدين على مستوى القيادة والشعب والمنظمات الأهلية والرسمية والقطاعيين العام والخاص لمجابهة العنف.
وأشارت إلى الخطوات التشاركية التي تمت خلال الأعوام الأخيرة، والتي كان محركها الرئيس تصريحات جلالة العنف الحازمة تجاه العنف ضد المرأة، ومن هذه الخطوات توسيع الخدمات إنشاء مكتب شكاوى المرأة التابع للجنة الوطنية، وشبكة شمعة لمناهضة العنف، ومبادرات القطاع الخاص، إلى جانب الجهود التي تبدل من القطاعات والمنظمات العاملة بهذا المجال.
ولفتت خضر إلى مشروع مركز العدل الأسري الذي ينفذ بإشراف وزارة التنمية الاجتماعية، والذي من شأنه أن يعالج قضايا العنف التي ترد على المنظمات ومختلف الجهات في مكان واحد، بحيث تحصل المرأة المعنفة على الخدمات النفسية والقانونية والطب الشرعي بمكان واحد.
الرقم المجهول
ظاهرة العنف برغم من خطورتها، لا يزال وجود قاعدة بيانات موحدة تظهر حجم الظاهرة وأشكالها ضربا من الخيال..لماذا؟ لاسباب متعددة تبدأ من قصور بالأنظمة وتنتهي عند التشدد بالسرية.
عودة قالت في هذا المجال إن وجود قاعدة بيانات تخص أرقام وإحصاءات العنف ضد المرأة يعد مطلبا ملحا لجميع الجهات والهيئات، مضيفة أن ثمة ثغرة بهذا الخصوص وهي أن الأرقام المتوفرة هي الأعداد المراجعة لكل جهة، ما يعكس قصور تلك البرامج والخطط التي توضع بشكل جزئي لا يعكس حقيقة المشكلة بالتحديد.
ودعت إلى الإسراع بإيجاد قاعدة بيانات لقضايا العنف ضد المرأة تمكن العاملين في المؤسسات الرسمية وغير الرسمية من الوقوف على حقيقة ظاهرة العنف.
وحسب أرقام اتحاد المرأة الأردنية فقد كانت المراجعات على برنامج الوفاق الأسري حتى نهاية العام الماضي نحو 2988 حالة منها 870 استشارة قانونية.
فيما بلغ عدد المراجعات لعام 2006 وفق الاتحاد 2132 حالة منها (750 )استشارة قانونية، فيما وصل الرقم إلى 2170 حالة منها 823 استشارة قانونية في عام 2007
وأظهرت أرقام إدارة حماية الأسرة أن مجموع قضايا الاعتداءات الجنسية والجسدية الواقعة على الإناث والتي تعاملت معها ادارة حماية الأسرة للأعوام (2003- 30 / 6/ 2008 ) 2950 حالة.
تفاوتت ما بين 340 إلى 395 سنويا للأعوام 2003 ولغاية 2006 فيما بلغت 911 حالة في عام 2007 ووصلت حتى حزيران 2008 إلى 530 وتنوعت القضايا من إيذاء جسدي، وفعل مناف للحياء ومواقعه أنثى، وهتك العرض، وشروع بالاغتصاب، واغتصاب.
وكان رئيس دائرة الطب الشرعي الدكتور مؤمن الحديدي قال في تصريحات صحفية سابقة إن حوالي 500 سيدة تصل إلى الطب الشرعي لتعرضهن للعنف.








5118, Amman 11183, Jordan