"على الأقل هذه الشاعرة ليس هناك من يكتب لها"، جملة قالها ناقد أدبي في معرض حديثه مع أحد أصدقائه، جملة أرادها صاحبها على سبيل الدعابة أكثر مما أرادها رأيا نقديا، ولكن، هل هي دعابة حقا؟ ألا تندرج هذه الدعابة ضمن سيرورة النسق الذكوري العربي الذي يمارس عنفا ثقافيا متواصلا ضد المرأة؟
تتعرض المرأة المبدعة العربية منذ زمن طويل إلى أكثر أنواع التعنيف الذكوري مراوغة والتباسا، التعنيف بقصد إقصائها وإعادتها إلى "مملكتها" (البيت)، والتعنيف بقصد تكريسها كـ"ضلع" قاصر وناقص ويحتاج إلى حماية، والتعنيف بقصد جعلها ملحَقة بعميلة الإبداع لا جزءا أساسيا منه.
أما الوسائل لهذا التعنيف فكثيرة جدا، كأن "يحتضن " الرجل المبدع كاتبة ناشئة ما، ويساعدها على شق طريقها في عالم الأدب، ثم يتحدث لاحقا، حين تصبح الناشئة اسما لامعا، أنه سبب وجودها في هذا المجال، ولولا مساعداته "القيمة" لها التي كانت تصل أحيانا إلى درجة إعادة كتابة ما تكتب لما وصلت إلى ما هي فيه!
أو كأن يصرح مبدع ما في كل مناسبة أن الشعر مضاد للمرأة، ولا يمكن أن تجتمع هاتان الصفتان: الشعر والأنوثة، في شخصية واحدة، في محاولة لتكريس فحولة شعرية ثقافية ولغوية تهدف إلى إعادة المرأة إلى عصر "شهرزاد"، الراوية التي كان كل هدفها إسعاد "شهريار" وتسليته!
أو كأن يتم اختراع مصطلح نقدي جديد تحت اسم "الأدب النسوي" تصاغ له النظريات وتُعقد له المؤتمرات والندوات التي يقوم بالتحضير لها، غالبا، كتاب ذكور، في محاولة لتكريس هذا المصطلح نقديا ليكون مقابلا لمصطلح "الأدب"، فيصبح لدينا "نقديا": "أدب" و"أدب نسوي"، وكأنهما نقيضان أو ضدان، مما يسهم في تلميع صورة الذكر الثقافي (الماتشو) الذي يتسامح مع هذا النوع من الأدب ويتعامل معه بوصفه وليدا ويحتاج إلى الرعاية والاهتمام. والمشكلة الكبرى هنا هي سقوط المبدعات العربيات في هذا الفخ، وتبني هذا المصطلح وعدّه انتصارا لحركة التحرر النسوي العربية، ثقافيا واجتماعيا!
أو كان يحتفي النقد الذكوري أو الإعلام الذكوري بكاتبة ما لمجرد صفتها الجنسوية، حتى لو كان نصها ساذجا ولا يستحق الاهتمام، ولو أن كاتب ذلك النص ذكر لتمت محاكمته بأبشع أنواع النقد ولتم عده دخيلا على عالم الكتابة ويجب التخلص منه، في محاولة أيضا للإيحاء أن هذا الجنس الضعيف ومهيض الجناح، الأنثى، يستحق الاحتفاء به لمجرد أنه يقوم بفعل الكتابة "العظيم" الذي لا يتجرأ عليه غير الذكر /الفحل!
أو كان يتم الاحتفاء نقديا وإعلاميا أيضا، بالنص النسوي "الجريء" أو النص الإيروتيكي / الإباحي، وعدّه فتحا من فتوحات الإبداع العربي، مما يستدعي الاهتمام الحثيث والمكثف بكاتبته والتركيز إعلاميا ونقديا عليه لجرأته على اختراق المحرم الاجتماعي الذي هو أيضا عمل ذكوري، ومنتَجه الإبداعي، مهما كان عظيما، هو منتج، بالمقياس النقدي، عادي ما دام كاتبه ذكرا يتمتع بالقوة والجرأة التي وهبها له تاريخ ذكوري، اجتماعي وسياسي وديني، طويل جدا، في محاولة أيضا للإبقاء على الأنثى ضمن سيناريو أزلي ووحيد يضعها تحت بند "الغواية" والدوران حول محور حياتي واحد ووحيد هو الرجل، بحيث تصبح موضوعة الرجل هي المبرر الأقوى لوجود "الأدب النسوي" والتسامح معه والاعتراف به!
المشكلة تكمن في استمراء المبدعة العربية لكل ذلك وعدّه طبيعيا وواقع حال، وعدم التعامل معه بوصفه "تعنيفا" ثقافيا ضدها، وعدم النظر إليه كمحاولة "حداثية" من محاولات إعادة تكريس ثقافة بطريركية بدأت تشعر بخلخلة في مكانتها مع بروز أسماء مبدعات عربيات لامعات في الرواية والشعر والنقد الأدبي والفني!
المشكلة هي في استعارة العديد من المبدعات للصوت الذكوري وللغة الذكورية وتبنيها كلغة شخصية، وتأكيد "الأنوثة" كجنس لا كمصطلح ثقافي كوني، وربط الأنوثة/المبدعة بمحور وحيد هو الرجل (الحبيب والحامي والمانح والمرغوب والآخذ والعاطي)، والسعي للتخلي عن اللغة الأنثوية كلغة ثقافية لا جنسوية، قادرة على إعادة تشكيل ثقافة جديدة قائمة على التوازن وعلى الاستفادة، إبداعيا، من الصفات الجنسوية لجهة إنتاج نص حداثي بكل إحداثياته، سيكولوجياً أولاً، ثم لغوياً وشكلانياً.








5118, Amman 11183, Jordan