في كتابها الممتع"رحلتي مع الزمن"تعيدنا الأديبة السيدة نجمية حكمت (والدة الوزير السابق الأستاذ طاهر حكمت) ثمانين عاما إلى الوراء ، لنعيش ذكريات أعياد عمَّـان في عشرينيات القرن المنصرم ، تقول السيدة نجمية حكمت عن تلك الذكريات : أجمل شئ في العيد كان يبدأ في صباح اليوم الأول من العيد ، وفي ساعة مبكرة ، فما أن يبزغ العيد حتى تسمع موسيقى الجيش العربي الأردني آتية من طريق المحطة وهي تصدح بأنغامها الشجية من المارشات العسكرية كمارش إزمير ومارش الجزائر ، كان أفراد الفرقة يأتون مشيا على الأقدام من محطة عمان إذ لم تكن هناك سيارات عسكرية لنقلهم ، فكانوا يجيئون مشيا يتقدَّمهم ضابط يرتدي لباسا خاصا بالمناسبات الرسمية ( سترة بيضاء وبنطلونا كحليا ) ويلبس على رأسه خوذة بيضاء ويحيط بوجهه زرد من الفضة ، ويمضي أمام الجنود وهو راكب حصانه شاهرا سيفه حتى المقر الأميري في قصر رغدان ، وما أن تصل الفرقة الموسيقية وكوكبة الفرسان مع قائدهم حتى تنضمَّ إليهم كوكبة أخرى من جنود الشراكسه الفرسان بملابسهم التقليدية الجميلة ، وكانوا يشكـًّـلون القسم الأكبر من حرس سمو أمير البلاد ، ثمَّ يخرج سمو الأمير ليركب سيارته يحيط به الجنود حتى الجامع الحسيني الكبير حيث يصلي صلاة العيد ، ويتلقى تهاني كبار الشخصيات المدنية والعسكرية والأهالي ، ويعود بعدها إلى قصره ويعود الجنود إلى ثكناتهم في معسكرات الجيش في المحطة.
وكانت (المراجيح) تنصب في الساحة التي تقع أمام المدرج الروماني ، وهي الساحة التي تمَّ بناء أوتيل فيلادلفيا عليها ، وتزدحم الساحة بباعة الألعاب والحلويات ، ويهرع كل أولاد وبنات عمان إلى تلك الساحة فيركبون الأراجيح ويشترون الألعاب والحلويات والزمامير بسعادة لا توصف ، كما كان الغجر أو النور يفدون بكثرة ومعهم نساؤهم وبناتهم إلى الساحة ، كان الرجال يعزفون الطبل أو الدربكة والنساء يرقصن ويغنين وقد لبسن ملابس مزركشه وملونه وقد كحلن عيونهن بالكحل الكثيف وصبغن خدودهن بالاصباغ ، ثمَّ ينتقلون كلهم معا من بيت إلى بيت ومن شارع إلى شارع ، الرجال يعزفون أمام البيوت والنساء الغجريات يقتحمن البيوت غير مباليات بأحد ، يرقصن ويغنين وبعدها يطلبن أجرهن بالحاح غريب ، ولا يقتنعن بمبلغ بسيط مقابل ما يقدمنه من رقص وغناء.
ما أحلى وما أجمل ايام العيد تلك ، كم كانت نشوته تجتاح قلوبنا الصغيرة فتنعشها وتسعدها ، لقد كان عالما سحريا مليئا بالمتعة والمشاهد الحلوة خلافا لما هو عليه الآن ، كان المرح والسروروالفرح يشعُّ بالعيد في كل مكان ، في البيت وفي الشارع والجبل وعلى الأسطح والجدران ، حتى شمس العيد كانت تبدو أروع وأجمل من شمس بقية الايام.
في أيام العيد ، وخاصة في اليوم الأول كانت تذبح الذبائح لتوزَّع على المحتاجين ، وكانت أمهاتنا يطبخن الأطعمة ويصنعن الحلويات بكميات كبيرة لتوزيعها على الأقارب والجيران.
كان لعيد تلك الأيام فرحة عظمى في قلوب الكبار والصغار ، فإذا ما انقضت أيامه وولت كنا نشعر بحسرة وألم لأن حدثا عظيما مفرحا قد ولى وفات.








5118, Amman 11183, Jordan