يا ليتني شاب": أمنية فتيات يعانين من التفرقة الأسرية

الرئيسية > المركز الاعلامي > الأخبار > يا ليتني شاب": أمنية فتيات يعانين من التفرقة الأسرية
Printer Friendly, PDF & Email

عمان - "يا ريتني شب" .. جملة تتردد على لسان العديد من الفتيات اللواتي يشعرن بأن حقوقهن في المجتمع متقلصة كونهن إناثا، فيتمنين بأن يكن شبابا لينلن قسطا من الحقوق التي حُرمن منها، في حين مُنحت غالبيتها للذكر.
ميس، فتاة عشرينية عانت مما واجهته في أسرتها من تمييز بالتعامل ما بينها وبين إخوتها الذكور، ما ولّد في جوفها كراهية لكونها أنثى، فتقول "كنت دائما أتمنى لو أنني شاب! ليس تقليلا من عظمة الأنوثة، بل رغبة في نيل الحرية التي حرمت منها فقط لأنني أنثى".
بينما اعتبرت دانة (31 عاما) أن هذه العنصرية، بين الذكر والأنثى في التعامل بالعائلة نفسها، خلقت لديها تمردا تثبت به نفسها وكيانها في المجتمع بشكل يفوق قدرات الشباب الذكور، "كانت أمي دائما حين تغضب مني تقول: يا ريتك شب، ولكن هذه العبارة لم تزدني إلا تحديا لأكون أنا الأنثى وبداخلي طاقات الرجال".
اختصاصي علم الاجتماع الدكتور حسين الخزاعي، يوضح أن التنشئة الاجتماعية تمنح الذكر في الأسرة المزيد من الرعاية والاهتمام والتكليف أكثر من الفتاة، إذ إن هذه التنشئة تؤهل الشاب على أساس هو مصدر الحماية والمعين للأسر في المستقبل وأن الفتاة هي العنصر الضعيف المحتاج لقوة الرجل ودعمه.
ويبين الخزاعي سلبية هذه التنشئة فيما تولده من نقص عند المرأة وعجز ينبع من حاجتها الدائمة لوجود رجل تعتمد عليه بحياتها، ويقول "هذه التنشئة خاطئة، فلا أحد يعرف ماذا سيحصل في الأسرة، فالفتاة يجب أن تربى على أنها سيدة في المجتمع لها واجباتها وحقوقها وعندها القدرة على مواجهة أعباء الحياة وحدها".
في حين تعتبر أخصائية الاستشارات الأسرية الدكتورة نجوى عارف أن الموروثات الثقافية والاجتماعية من عادات وتقاليد وقيم، هي ما يدفع إلى التفرقة بين الشاب والفتاة من ناحية الامتيازات والتسهيلات والمسموحات، ما يثير شعورا لدى الفتاة بأنها "مواطن من الدرجة الثانية"، فيولد لديها تمردا وتمنيا بأن تكون شابا ليصح لها ما يصح لإخوتها الذكور من حولها نتيجة تمتعهم بحياة هي محرومة منها.
من جانبه، تفاجأ أحمد (33 عاما) من ظاهرة تمني الفتيات بأن يكنّ شباباً، معتبرا أن المجتمع في الآونة الأخيرة أصبح يتيح فرصا للفتاة أكثر من الشاب، خاصة في مجال العمل، مضيفا "الفتاة تدرس وتعمل ثم تنتظر شريك حياتها لينقلها من بيئة أسرتها إلى عش الزوجية بكل دلال واستقرار، بينما الشاب يبذل كل طاقاته ليكوّن نفسه من كل النواحي ليكون قادرا على تحمل أعباء الزواج ومسؤوليات الحياة.. فلماذا يتمنين الرجولة؟!".
وتتفق مرام (24 عاما) مع ما ذهب إليه أحمد حيث تقول "التفرقة كانت في القديم حينما كانت تحرم الفتاة من التعليم والعمل، وحين كان قرار زواجها بيد إخوتها الذكور وأبيها، وهي آخر من يعلم، ولكن الآن الحياة كلها اختلفت، فالفرص الحياتية متاحة للمرأة كما الرجل"، ممازحة "أعتقد أنه مع مرور الزمن سيضيع حق الرجل، إلى أن يتمنى بعضهم بأن يكونوا إناثا لينالوا من الحقوق ما تناله الفتيات".
وعن الأثر السلبي للتفرقة في تنشئة الذكر والأنثى تشرح عارف "تنشأ الفتاة وهي لا تحمل في قلبها مشاعر جميلة لإخوتها الذكور، وأيضا الذكور سينظرون للإناث نظرة دونية وسلطوية على أنهم أفضل منهن، فالشاب سيمارس السلطة من إخوته إلى زوجته ثم بناته".
وترى عارف بأن سلبية هذه الظاهرة ليست فقط للشخص المتعرض للتفرقة، بل تمتد إلى الشخص الذي يتميز حين يملؤه الغرور والثقة، فيعتقد أنه يملك من الحقوق أكثر من الجميع، متوقعا حينها بأن يحصل على هذا التميز في كل مكان وزمان.
من جهته يرى اختصاصي علم النفس الدكتور جمال الخطيب أن التفرقة الأسرية "موجودة في البلاد العربية، وتختلف حسب البيئة والمفاهيم المتوارثة بين الأجيال، وهذا ما يدفع الفتاة بأن تتمنى أن تكون شابا لتتاح لها الفرص التي حرمت منها مقابل حصول الشباب عليها".
ويقول الخطيب "هذه الظاهرة يتولى الزمن معالجتها تدريجيا، فالقيم الاجتماعية الموروثة تتغير على المدى الطويل، حيث إن مشكلة التفرقة الأسرية تقلصت بشكل تدريجي وملحوظ في الآونة الأخيرة عما كانت عليه منذ مئات السنين".
اختصاصي الشريعة الدكتور سليمان الدقور ينوه إلى أن مثل هذه السلوكيات الخاطئة التي تمارس بالمجتمع مع الأبناء تؤثر عليهم ويكون لها انعكاس وردة فعل سلبية تظهر بشكلين؛ الأول هو محاولة الفتاة أن تعبر عن تمردها عندما تستقل بأسرتها وشخصيتها فتعطي ابنتها دورا أكبر من مكانها لتعوض عما كانت تشعر به من نقص، لكن حينها ستخرج الفتاة عن الضوابط والأحكام وتنفلت بها الأمور، أما الشكل الثاني فهو باستنساخ التجربة ذاتها، إذ تنعكس على الأسرة مستقبلا.
المخرج من ذلك، وفق الدقور يكون بتوعية الأهل في التعامل مع أبنائهم، وتوعية الجيل الجديد في تدريبهم على معايير التعامل الصحيح، حتى لا نستنسخ القصة نفسها ولا تتولد ردّات فعل سلبية نتيجة المعاملة السابقة".
ويوضح الدقور "أن الإسلام يتعامل مع الرجل والمرأة بناء على الدور الذي يقوم به كل منهما، وليس على أساس جنسهما، لذلك جاءت الآية القرآنية "ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن".
ويفسر الدقور حقيقة الواقع العرفي والعادات والتقاليد التي تُسيِّر الأمور بالاتجاه المعاكس، حين تعطي الأفضلية للرجل، مبينا "هذه نظرة خاطئة، قد يكون قوامها بأن الرجل هو المسيطر، لكن بالمفهوم الشرعي فالرجل تحت مسألة التكليف وليس التشريف، دون التداخل في صلاحيات كل من الرجل والمرأة".