بعد قرابة أربعة أشهر من العمل والحوارات ترفع اللجنة الملكية المكلّفة بمراجعة نصوص الدستور الى مقام جلالة الملك عبدالله الثاني رسميا اليوم مقترحات التعديلات الدستورية على مواد الدستور كافة، والتعديلات التي كانت قد أجريت عليه منذ العام 1952 وحتى آخر تعديل تم عام 1984، منتهية بذلك نهائيا من المهمة التي وجهها لها جلالة الملك عبد الله الثاني بمراجعة مواد الدستور كافة والتعديلات عليه.
ويلقي جلالة الملك كلمة بهذه المناسبة في باحة قصر رغدان العامر بحضور عدد من أصحاب السمو الأمراء، ورؤساء وأعضاء السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، وكبار المسؤولين والهيئات الدبلوماسية، وفعاليات سياسية وإعلامية.
وتقدم اللجنة مخرجات عملها وسط احتفال رمضاني خاص معد لهذه الغاية يحضره أعضاء مجلسي النواب والاعيان، ولجنة الحوار الوطني، ولجنة الحوار الاقتصادي، ذلك ان مخرجات عمل اللجنتين شكلت ركيزة لمخرجات «اللجنة الملكية لتعديل الدستور»، فيما يقدم خلال الاحتفال المقرر على مأدبة إفطار اليوم رئيس «الملكية لتعديل الدستور» احمد اللوزي كلمة يلخّص بها أبرز مخرجات اللجنة وأبرز التعديلات.
ووفق مصدر مأذون في اللجنة، فان الايام الماضية شهدت عملا على مدار الساعة من قبل اعضاء اللجنة وصولا للصيغة النهائية التي سترفع اليوم الى جلالة الملك، كما كان هناك لقاءات على أعلى المستويات بين اعضاء اللجنة ومسؤولين وخبراء، وصولا الى صيغ توافقية للتعديلات ولو بالحد المتوسط، ترجمة لتوجيهات جلالة الملك وانسجاما مع متطلبات المرحلة ومطالب المجتمع المدني وكذلك الاصلاح السياسي المنشود.
وأكثر ما ميّز عمل اللجنة خلال الاشهر الاربعة الماضية الحرص الكبير على سرية مهمتها إيمانا منها بقدسية ما تقوم به وخطورته، مع العلم بأنها لم تغفل أي اقتراح بشأن التعديلات، بل درست كل صغيرة وكبيرة طرحت بهذا الخصوص وفق عدد من أعضائها لــ»الدستور»، حتى أنها درست اقتراحات قدمت من أشخاص عاديين، نافين بالمطلق أن تكون اللجنة قد أعلنت رسميا عن أي مخرجات لها حتى الان، ومؤكدة أن كل ما أثير مجرد مقترحات يجب أن تنال التوشح بالارادة والموافقة الملكية السامية قبل الاعلان عنها رسميا.
وفي مجمل الصورة وفق ما علمت به «الدستور» عن بعض مقترحات اللجنة للتعديلات الدستورية، فهناك مواد اضيفت قدر عددها بقرابة (15) مادة، في حين أن مجمل التعديلات وصل الى «45» تعديلا، وبالمقابل تم إلغاء عدد من المواد تحديدا تلك التي اقترنت بفترة ما قبل «فك الارتباط».
وركزت التعديلات الدستورية بشكل عام على ضمان الحريات بشكل أكثر وضوحا، والتأكيد على مبدأ فصل السلطات، والحد من صلاحيات الحكومة باصدار القوانين المؤقتة، وتعزيز دور السلطة القضائية، وتحديدا في موضوع محاسبة الوزراء، والتأكيد على أهمية الاتفاقيات التي وقع عليها الاردن والالتزام بها، وتعزيز الحرية الشخصية وحمايتها بمواد دستورية واضحة، اضافة الى استحداث عدد من المؤسسات الدستورية بانشاء محكمة دستورية.
وفي تفاصيل عامة لمقترحات التعديلات الدستورية للجنة الملكية، وفق مصدر اللجنة لـ»الدستور» فان الفصل الاول والثاني والثالث من الدستور، شملتها تغيرات طفيفة جدا، لا تكاد تذكر، ذلك ان هذه المواد تمت صياغتها بطريقة لا يمكن ايجاد بديل ايجابي لها.
ولعل ابرز ما تم تعديله هنا المواد ذات العلاقة بضمان الحرية الشخصية، حيث اضافت اللجنة على مادة «الحرية الشخصية مصونة» جملة «كل اعتداء على الحقوق والحريات العامة او حرمة الحياة الخاصة للأردنيين جريمة يعاقب عليها القانون».
كما عملت اللجنة على ان يكون الدستور المرجع الاشمل والاعم لكيفية تعامل السلطات الثلاث فيما بينها بحيث لا تتغوّل واحدة على الاخرى وبحيث ينظم التشابك والتفاعل فيما بينها على أسس راسخة.
وبدا هذه الامر واضحا في عدة تعديلات من أبرزها المتعلقة بانشاء محكمة دستورية، حيث تمت هنا الاستفادة من خبرات دول اخرى بهذا السياق بما ينسجم وخصوصية مجتمعنا، وتم الاخذ بأثر ذلك على دور المجلس الاعلى لتفسير القوانين، الذي يقوم بعدة وظائف يجب مراعاتها لعدم تعارض عمله مع عمل المحكمة.
ودرست اللجنة واقع السلطة القضائية والاحكام العامة، حيث تمت اضافة مادة جديدة وفق ذات المصدر تتعلق بمنح السلطة القضائية صلاحيات اوسع في محاكمة الوزراء، يتم من خلالها تحويل الوزراء للقضاء مباشرة، والتحقيق معهم عن طريق النائب العام.
وفي جزء من تفاصيل هذه التعديلات، بين مصدرنا انه تم التأكيد على تعزيز دور السلطة القضائية وتوسيع صلاحياتها، فالمادة التي عرفت السلطة القضائية، بدأت بالتأكيد على صفة «مستقلة»، فيما اضافت التعديلات المقترحة زيادة صلاحية المجلس القضائي، بشكل يتم فيه إنشاء المجلس بقانون يتولى الشؤون المتعلقة بالمحاكم النظامية وله وحده حق تعيين القضاة النظاميين، ويشرف على حسن سير العمل في المحاكم النظامية.
وبطبيعة الحال تضمنت التعديلات ذاتها إنشاء محكمة دستورية، وتحديد اختصاصات المحاكم الخاصة، وما يناظرها، وأوصت بأن تتكون من تسعة أعضاء من بينهم الرئيس، يعينون بإرادة ملكية سامية، ينعقد نصاب المحكمة بحضور سبعة من أعضائها على الاقل من بينهم الرئيس، وحددت اختصاصها بالرقابة على دستورية القوانين والأنظمة النافذة وتفسير نصوص الدستور وتصدر أحكامها باسم الملك، بحيث تكون أحكامها نهائية وملزمة لجميع السلطات، الى جانب حق تفسير نصوص الدستور.
وفي إطار إنشاء المؤسسات والهيئات الدستورية الجديدة والمعززة للديمقراطية أوصت اللجنة بإنشاء هيئة مستقلة للإشراف على الانتخابات.
وفيما يتعلق بالجانب القضائي الخاص بالاعلام ربطت التعديلات تعطيل الصحف وإلغاء الامتياز، بأمر قضائي، بشكل صريح، الى جانب جعل حرية الصحافة والطباعة والنشر ووسائل الإعلام بكفالة القانون، لا مقيدة بأحكامه، حيث نصت التعديلات على «حرية الصحافة والطباعة والنشر ووسائل الإعلام مكفولة ضمن حدود القانون».
كما أوصت اللجنة بأن يقتصر دور محكمة أمن الدولة على قضايا الارهاب فقط وما له علاقة بمثل هذه الحالات، فيما تم تقديم توصية بأن يحاكم المدنيون أمام قضاء نظامي، ومنعت بذلك إحالة المدنيين أيا كانت قضيتهم وتهمهم الى محكمة أمن الدولة، ليبقى اختصاصها بقضايا الارهاب والامن الوطني فقط.
وتقدمت اللجنة باقتراح إضافة «ذكر وأنثى» لبعض مواد الدستور التي تحتاج الى توضيح في موضوع الجنس، ذلك أن الدستور لم يثر موضوع الذكر والانثى، ولم يتطرق لمبدأ «الجندر»، على اعتبار أن الجميع سواسية أمام الدستور.
ومن المواد الجديدة التي أضيفت للدستور وفق التعديلات ذاتها مادة متعلقة بضرورة الالتزام بجميع الاتفاقيات الدولية التي وقع عليها الاردن وتطبيقها على أرض الواقع أخذا بعين الاعتبار التحفظات التي وردت عليها محليا.
وفيما يتعلق بالشأن الحكومي خرجت اللجنة بضرورة تقليص حرية السلطة التنفيذية في موضوع القوانين المؤقتة ووضعت نصوصا تحد من هذه المسألة بشكل كبير، في ضوء توسيع مظلة الاسباب الموجبة مع التغير والتعديل بما ورد في الدستور بهذا الشأن.
وارتأت اللجنة بهذا الخصوص انه في حال كان البرلمان منعقدا يجب أن يكون هو المسؤول عن موضوع القوانين ويعرض عليه كل شيء بهذا الخصوص، وفي حال لم يكن منعقدا هناك حتما مجال لعقد دورة استثنائية لمتابعة أي قانون هام وضروري، وتتم الدعوة لعقد دورة استثنائية، وبذلك تكون اللجنة لجأت للعودة بهذا الخصوص الى دستور 52، وتحديد الضروريات لاصدار القوانين المؤقتة بأمور محددة وقليلة جدا، منعا لاصدار اعداد كثيرة من القوانين المؤقتة.
وركزت اللجنة في المواد التي تمس السلطات والعلاقة بينها، بشكل لا تتغول به واحدة على اخرى، موصية بهذا الشأن بضرورة استقالة الحكومة بعد قرار حل مجلس النواب على الفور.
وعدّلت اللجنة ايضا المادة (20) من الدستور التي تنص على «التعليم الابتدائي إلزامي للأردنيين وهو مجاني في مدارس الحكومة» لتصبح «التعليم الاساسي إلزامي للأردنيين وهو مجاني في مدارس الحكومة»، ليصبح بذلك التعليم الاساسي بكل مراحله إلزاميا، اضافة الى أن مفردة «التعليم الابتدائي» كانت قد ألغيت منذ عشر سنوات تقريبا.
وفي الشأن النيابي وما يتعلق بمجلس النواب تحديدا سعت اللجنة لوضع مواد تعزز عمله كونه ممثلا للشعب، وتركت مسألة الطعن بصحة نيابة أي من النواب للقضاء، كما أضيفت على مبادئ الانتخابات التي يجب أن يكفلها قانون الانتخاب «هيئة مستقلة تشرف على الانتخابات».
وفي الشأن ذاته اقترحت اللجنة زيادة مدة رئاسة مجلس النواب الى سنتين بدلا من سنة، واستقالة الحكومة بعد حل مجلس النواب مباشرة، وعدم تكرار سبب حل مجلس النواب لأكثر من مرة، وإجراء الانتخابات خلال أربعة أشهر من تاريخ حل مجلس النواب، وحددت مدة الدورة العادية بستة أشهر.
وأخذت اللجنة في مقترحات توصيات لجنة الحوار الوطني بمعظم القضايا وتحديدا ما يتعلق بقانوني الاحزاب والانتخاب، وتشكيل الاحزاب، وإدخال موازنات المؤسسات المستقلة تحت مظلة رقابة مجلس النواب، ومنح الأردنيين حق تشكيل الجمعيات والأحزاب السياسية، وأضافت عليها النقابات.
وكانت اللجنة قد استقبلت عددا كبيرا من الاقتراحات لتعديلات دستورية، عملت على دراستها بشكل كامل ولم تغفل أي اقتراح، في حين أخذت بما هو ممكن منها، وينتظر الان أن تسير هذه التعديلات، أو مقترح التعديلات كما يصر اعضاء ورئيس اللجنة على تسميتها، أن تسير في مراحلها الدستورية، وحتما ستشهد حوارات موسعة وهي في حوزة مجلس النواب صاحب الخطوة الاولى الان في مناقشتها، والذي من المنتظر أن تصل لملاكه خلال الاسبوع الجاري.
محطات جدلية واسعة بانتظار مخرجات عمل اللجنة الملكية لمراجعة نصوص الدستور، كونها المساحة الاوسع حضورا على الاجندة المحلية حاليا. ورغم اختلاف الاراء باتجاه حاجة المجتمع للتعديلات، فإنها بالمحصلة تلتقي عند نقطة واحدة، وهي تعزيز الحريات، والمصلحة الوطنية، وهذا هو حتما العنوان الذي ستنطلق منه أي خطوات قادمة.








5118, Amman 11183, Jordan