أمِّي ..

Printer Friendly, PDF & Email

تأمّلتُ اليد المرهقة الملقاة باستسلام على طرف السرير ... كانت ثمّة عروق وخطوط وعلامات تحكي قصصاً كثيرة ... كانت يد أم !

أذكر أنّها بهذه اليد كانت تسرّح شعورنا في الصباحات، وتطهو لنا، وتلمّ أشياءنا التي كنّا نبعثرها دون اهتمام، بهذه اليد كانت تخيط لنا فساتين العيد، ومراييل المدارس، وتجلّد لنا كتبنا ودفاترنا، بهذه اليد كانت تُحكم أغطيتنا في الليالي الباردة، وتلّوح لنا ونحن ماضيات إلى الحياة خارج مساحة رعايتها ...

وكبرتُ يا أمي، وبهذه اليد ذاتها كنتِ تُمسّدين على رأسي حين ألقيه على كتفكِ بحثاً عن الأمان الذي كان يتسلل هارباً من بعض أيامي ... لم تكوني تتكلمين كثيراً، لكن أيّ سحرٍ كانت تفعله مفرداتك المقتضبة في إعادة الطمأنينة إلى قلبي المتعب، أي إعجازٍ كنت تملكين في أن تحوّلي المشكلة الكبيرة إلى شيءٍ لا يستحق الذكر، حتى أخرج من عندك وقد كدتُ أنسى لماذا جئتكِ أصلاً !

مضت أيام على غيابك عنّا، ولا أخفيك أنّ بعض ذكرياتنا عنك ومعك تثير ضحكاتنا لينتهي الأمر بالدموع والترّحم على روحكِ الحبيبة، إذ أذكر أنّنا في لحظة عجيبة قرّرنا اصطحابك معنا إلى السينما لمشاهدة فيلم « التيتانيك « ... وبعد محاولات مضنية في إقناعك، وافقتِ وذهبنا، ،ثمّ مضى زمن طويل حتى أتيتك يوماً لأفاجأ بك تبكين ... سألتك عن السبب بذعر، فأشرتِ إلى التلفزيون ... كان الممثل الذي قام بدور العاشق الذي غرق في نهاية الفيلم إياه، على الشاشة في فيلمٍ آخر وفي دور آخرمختلف تماماً... وقلت وأنت تشهقين : « شبّ زي الوردة ... تذكّرت كيف غرق ... يا ويلي على شبابه « !

ونذكر إصراركِ على تسخين المياه كل صباح صقيعي وحمله، وصبّه على بداية الزقاق الضيق مقابل بيتك، أمّا السبب، فلأنّ بعض الصغار يمّرون منه في طريقهم إلى مدارسهم، وقلبك لن يحتمل انزلاق أو تعثّر ووقوع أحدهم !

ولم نكن نجرؤ على إعلان فرحتنا بفوز فريقنا المفضّل خلال مباريات كأس العالم ... إذ كانت تتعاطف فوراً مع الفريق المهزوم، لأنّه حاول وتعب، كان يعزّ عليها أن ترى الشباب يبكون ... ولو كان الأمر بيدها لألغت تلك المنافسة القاسية ، حسب تعبيرها، أو لكانت قد وزّعت الكؤوس على الفائزين والخاسرين على السواء !

لمّا كتبنا خبر نعيك أيّتها الغالية، خطر لي أن أذكر أنّك رحلت متمّمة واجباتك الدينية والدنيوية أيضاً ... وإلا فكيف نُفسّر دروسك لنا في حبّ الحياة، والاستمتاع بالأشياء الصغيرة، وتجاوز إساءات الآخرين، ليس بالتسامح معهم فقط، بل بالنسيان التامّ للحدث ... كيف نفسّرُ تلك الثنائية الباهرة بين الضعف الجميل، والقوّة الأصيلة التي ساعدتك على تجاوز صعابٍ وهمومٍ وتعقيدات، وحده الله يعلم مداها ...

يقولون : الدنيا أم ... وأقول : الأم دنيا... دنيا رحبة ... جنّة أرضية صغيرة ... مدى مفتوح على جمال وعذوبة ورهافة لا ندرك حجمها إلا بعد الفقْد ... رحم الله جميع الأمهات اللواتي مضين إلى دنيا الحقّ، وأمدّ في عمر الطيّبات الباقيات ، ومتّعهنّ بالمحبّة وراحة البال والعافية .