قرأت مقال الدكتور إبراهيم سيف "أكثرهن تعلما أقلهن عملا"، الذي يشير إلى واقع اجتماعي واقتصادي معيّن ذي أهمية ممّا يتطلب التقدير، إلا أن المقال لم يشر إلى الأسباب الحقيقية لهذا التباين بين الرجل والمرأة في سوق العمل
ومن المؤكد أن دائرة الإحصاء تبذل مجهودا رائعا لتزويدنا بالمعلومات الاجتماعية والاقتصادية وغيرها للمساعدة بعد تحليلها الواعي والصحيح مناقشة المشكلات الموروثة والمستجدة وإيجاد الحلول المنصفة لها.
نعم الإناث المتعلمات في الأردن يشكلن مصدر فخر واعتزاز، ونسبتهن عالية جدا مقارنة بمعدل النشاط الاقتصادي.
فمثلا إن إسهام الإناث الأكبر في القطاع الحكومي وقلَّته في القطاع الخاص يعود للدور الأسري والإنجابي، الساقط من ذاكرة الإحصائيات، الذي يدفع المرأة لاختيار القطاع العام لقلّة ساعات العمل فيه مقارنة بالقطاع الخاص، حتى تؤدي أدوارا إنسانية أخرى؛ إذ إن تفوّقها الدراسي من أهمّ عوامله كونها غير مرتبطة بالزواج ومتطلبات ذلك من واجبات ودخولها مجال العمل بعد الزواج، يمكن اعتبار دوامها عمليا من الفجر وحتى ساعات الليل المتأخرة.
الموروثات الاجتماعية أكدت أحقية الرجل بجهد ووقت المرأة إن لم يكن الهواء الذي تتنفسه أيضا، التي تعد من حقوقه المشروعة، فمتى كان هنالك فائدة حسب قياساته من دخول المرأة في سوق العمل تجده موافقا ومشجّعا، وبعكس ذلك سيكون الرفض هو القرار الصادر بغضّ النظر عن شهادات المرأة وإمكاناتها وقدراتها، ويشمل ذلك المتزوجات وغير المتزوجات منهنّ.
على الرغم من الانطباع السائد أن المراة تختار الاختصاصات الإنسانية، مثل التاريخ، إلا أن مؤشرات المرأة في المنظور الجندري الخاصة بالمرأة للعام 2008 تثبت أن مساهمة المرأة في النشاطات الاقتصادية الخدمية، ومنها التعليم والصحة والبنوك والاتصالات والتعدين والبترول، وانخفاض المساهمة الاقتصادية في الزراعة والصناعة.
بشكل عام، فإن الرجال يتجهون لدراسة الاختصاصات التي توفر أكبر دخل مادي لإعالة أسرهم، أما المرأة فإنها تحتاج لإعادة التفكير بالاختصاصات التي تدعم وضعها المادي بشكل أكبر؛ لأن مشاركتها المادية أصبحت ضرورة حتمية لإعالة أسرهنّ.
ولفت نظري، في الإحصائيات الاقتصادية الخاصة بالإناث والذكور لسنة 2008، أن نسبة الاقتراض من مؤسسات المجتمع المدني، التي تهدف لتمكين المرأة اقتصاديا، هي الأعلى بالنسبة للمرأة. وفي الوقت نفسه نجد أن المرأة هي الأقل ملكية للأراضي والعقارات والأوراق المالية والأقل في معدل المشاركة الاقتصادية، وهذا يثير السؤال أين تذهب المراة بالمال؟
من خلال نظرة سريعة على واقع الحال، فإن العديد من النساء أخذن قروضا على أساس فتح مشروع خاص، لكن يتم تجيير المبلغ المقترض للزوج، سواء بالموافقة الشكلية للمرأة المقترضة أو بعدم موافقتها؛ بسبب عامل الضغط الممارس من قبل الزوج بالتهديد بالطلاق أو بضغوط أخرى، يعزز ذلك تجنّب الكثير من النساء التعبير لفظيا عن معاناتهن حول ذلك؛ وقاية من مشاكل تؤدي إلى الانفصال أو ضرر الأطفال.
الخطأ يقع من الموروثات الاجتماعية اليائسة التي تنشئ كلا من الذكر والأنثى تنشئة تلعب دورا خاطئا في تشكيل خصائص شخصيتهم، فلم لا تكون العلاقة الزوجية تشاركية بين الرجل والمرأة؟!
وكما يتحدث د. محمد الجربيع في دراسته "الصور والأدوار الجندرية للرجل والمرأة في ثقافة مجتمع البادية"، فإن النشأة الجندرية للأطفال والتمييز بينهم يبدأ منذ لحظات الولادة من خلال وصف الذكور بالأقوياء والنشيطين، والبنات بالرقيقات والهادئات، وأنهن بحاجة إلى من يحميهن.
ذلك يناقض الاتجاه الحديث باعتماد أساليب تربوية متكافئة وسليمة وتعزيز الثقافة الاجتماعية لكلا الجنسين؛ لتكون الفتاة قادرة على حماية نفسها لتمارس حياتها ودورها بثقة، ويكون الرجل معها عنصرا مشاركا وليس كحارس أو حام للمرأة بوصفها إنسانا ضعيفا غير قادر على حماية نفسه وإدارة شؤونه.
من الضروري توعية المرأة بشكل جيد لإسهامها في سوق العمل، بما يتناسب مع مهاراتها وإمكانياتها، ولابد من تغيير عقلية وأفكار بعض الرجال الذين يواكبون التقدّم تكنولوجيا فقط وليس فكريا وثقافيا بما يتناسب مع متغيرات العصر الحديث
أما د. محمد الجربيع، الذي لا أعرف إن كان متصالحا مع نفسه أم متصالحا مع المرأة، فيرصد الواقع الحقيقي، لكنه أكد أن الرجل البدوي (وأنا أقول الرجل بشكل عام) يأبى على نفسه أن يظهر دور المرأة من الناحية الإنتاجية، وخصوصا إذا كان عملا غير مأجور على الرغم من أن العمل المنزلي غير المأجور الذي تقوم به المرأة قدّر بثلث الإنتاج الاقتصادي في العالمي.
أن الوقت لكي نحرّر ذواتنا من عقدة التسلّط، لنعرف أن النساء لن يقفن خلف الرجل، ولا أمامه، إنما بجانبه ليكون عظيما، ونكون نحن أيضا عظيمات.








5118, Amman 11183, Jordan