النساء والعنف

Printer Friendly, PDF & Email

أحسنت صنعا الجهات التي فضحت العنف والتمييز ضد النساء في الإطارين العام والخاص ، فإقناع امرأة بالتغلب على ذاتها وقناعات تربت عليها لتفضح ما يمارس ضدها من الأقرب هو إنجاز ، فما زالت هذه الممارسات من المسكوت عنه في المجتمعات المحافظة ، وتحكمها ثقافة العيب التي لا يجوز معها فضح خصوصية العائلة ، الزوج والأهل ، وإن فعلت المرأة فحكمها أنها ناشز أو عاقة ، أو ربما صنفت بما هو أسوأ من ذلك.

وإذا كانت 600 حالة من العنف قد استطاعت أن تكشف ذاتها في الأردن فهناك بالتأكيد أكثر من 600 الف حالة ترى أن فضح هذا لا يليق بامرأة أو فتاة صالحة اسريا واجتماعيا. وليس اسهل في حال دفاعها عن نفسها أن يطعن "في شرفها" وهي تهمة جاهزة حين يراد التخلص من فتاة أو امرأة. ولأن المجتمعات العربية ومخيلاتها مفتونة بقصص الجنس وفضائحه المدوية دون التحقق ، غالبا ما تدفع الفتاة حياتها ثمنا لإشاعة مغرضة ، أو وشاية أو تنكيل لا يتروى فيه الأهل ، أو ربما جاءت انتقاما من زوج أو سترا لسفاح المحارم.

وفي العالم العربي والإسلامي أضعاف هذه الأعداد من النساء اللواتي لا يدرين إذا كان ما يمارس عليهن عنفا أصلا ، وليس من حق أحد أن يمارسه عليهن.. كما لا تدري كثير من النساء المتعلمات والجاهلات عن المواثيق الدولية والعربية التي تكفل عدم الإساءة إليهن أو ممارسة العنف والتمييز ضدهن ، وتصحيح الاختلال الاجتماعي بتهميش دور المرأة في التنمية والنهوض بالمجتمع. ولا يقتصر العنف ضد النساء على الفئة الأقل حظا من التعليم والعمل وإن كان ظاهرة تميزها ، فقد تواجه المرأة المتعلمة والعاملة التمييز في الممارسات اليومية من رؤسائها والقوانين واللوائح.

وهناك أعداد لا تحصى من النساء العربيات لا يعرفن أن جميع مواثيق حقوق الإنسان تعتبر المرأة كاملة الأهلية الإنسانية وتكفل (على الورق) حقوقها وتنبذ العنف والتمييز ضدها ، فهي كامرأة ولدت وعاشت وتربت على تمييز أسري واجتماعي مقبول وسائد ، والخطأ الشائع أصح من صحيح مجهول. ولم تسمع نساء هذه الفئة بمؤسسات قد تدافع عنها. فبجانب الاتفاقية الدولية للقضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة والبروتوكول الملحق بها ، هناك الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب 1981 ، وإعلان القاهرة لحقوق الإنسان في الإسلام 1990 ، والميثاق العربي لحقوق الإنسان 2004 وكلها أفردت فصولا طويلة حول وقف اشكال التمييز ضد المرأة ، ولكن الملاحظ هو تراجع خطاب تحرر المرأة عربيا وإسلاميا بعد الردة الدينية وسيطرة الفكر السلفي ودعواته حول النساء ، وتزامن ذلك مع الظروف السياسية لأقطار الوطن العربي وحروبه وفقره ، بينما نشط خطاب تحرير النساء في إفريقيا اللواتي يعانين من الحروب والمجاعات والختان والفقر والأمية.

ولعل أهم اسباب ضعف الخطاب العربي حول حقوق النساء هو القبلية السائدة فيما يتعلق بالقوامة والأسرة والجنسية ، ثم في ضعف الحركات النسائية وتشتتها وتبعثر جهودها ، وعدم توفر ديمقراطية حقيقية. ولا يمكن الاستدلال بالمراكز المتقدمة لبعض النساء على الديمقراطية والمتغير الاجتماعي والثقافي للمجتمعات العربية ، فأحيانا كثيرة يستغل وجود المرأة لمساومات محلية داخلية أو دولية من الدولة والأحزاب والمنظمات.

ولا يمكن فصل ظاهرة ارتفاع نسبة الطلاق التي لم تقل في أي مجتمع عربي عن %36 عن العنف والتمييز ضد المرأة ، فليس صحيحا أن التحرر الاقتصادي هو العامل الرئيسي في ارتفاع النسب ، بل مؤشر على أن المرأة الواعية لن تقبل عنفا يمس كرامتها ، أو يشكك في قدراتها أو يحاول استغلال دخلها ، أو لا يعينها في المنزل لأنه تربى على أن الزواج صك لتملك المرأة.

كما لا يمكن إهمال التغير في الفكر العام حول وظيفة المرأة وعملها ، واعتبار وجودها دليلا على تحضر الرجل وديمقراطيته وثقافته ، فيزين بها الواجهات الوظيفية وبالكوتا للمراكز المتقدمة ، فعدم وجود امرأة في وزارة أو برلمان أو جامعة أو مؤسسة إعلامية أو صحافية سيكون دليلا دامغا على تخلفها وفكر من يديرها.. ولكن وجود المرأة لا يعكس دائما تغيرا حقيقيا ، ولهذا قوبل بكاء وزيرتين أردنيتين على محمود درويش بالاستهجان ، وحوسبت وزيرة الثقافة في مجلس النواب على لقائها فنانا مشهورا كجزء من عملها ، أو لأنها لم تغط رأسها في مكتبة ملحقة بمسجد ، والنواب مرآة ساطعة للفكر الاجتماعي السائد.

ومهما كانت دوافع الرجل في إعطاء النساء فرصة المشاركة والعمل ، ثقافة حقيقية وإيمانا بدورها ، فقد استطاعت المرأة تحقيق إنجاز لافت في كل مجال أعطي لها ، وإن ظل الفكر الاجتماعي السائد يعاملها بمفاهيم التمييز وقوامة الرجل وتقسيم الأدوار الأسرية والاجتماعية.