صمت المرأة المعنفة.. بين التقاليد والحرية

الرئيسية > المركز الاعلامي > الأخبار > صمت المرأة المعنفة.. بين التقاليد والحرية
Printer Friendly, PDF & Email
image

 فدوى، خلود، ابتسام (...).. نماذج لنساء تعرضن للضرب والعنف واخترن الصمت خوفاً من تفكك الأسرة، فيما تكرس بعض المؤسسات والجهات الرسمية وغير الرسمية جل اهتمامها وخلاصة تجاربها للحدّ من العنف ضد المرأة.
حدثتنا فدوى عن ألمها المتكرر وقالت: لدي ثلاثة أطفال وزوجي (ابن عمي) يضربني بشكل متكرر ولا يكاد يخلو يوم من التعنيف اللفظي، وفي ليلة عيد الأضحى الماضي ضربني بشكل عنيف جداً وأطفالي من حولي يبكون مذهولين من المشهد.
وبعد دقيقة صمت لم تخلُ من البكاء؛ أضافت ''هرب زوجي من المنزل عندما تدخل الجيران وطلبوا الدفاع المدني لنقلي إلى المستشفى وكنت أعاني من جرح عميق في الرأس وكسر في اليد بالإضافة إلى رضوض قوية، لكنني لم أخبر أهلي خوفاً من تشابك والدي وعمي والدخول في مشكلة أكبر، ورفضت أن أقول للشرطة في المستشفى أي شيء مما حدث سوى أنني (وقعت عن الدرج) وعدت إلى منزلي، الذي يجمعني وأبنائي''.
وتروي خلود قصتها قائلة: ''ضربني منتصف الليل ولم أجد مأوى سوى (تحت درج العمارة) وفي الصباح لملمت جراحي واعتذرت له لكنه اشترط من أجل عودتي للمنزل الحصول على (أسوارة الذهب) ليبيعها ويتناول بثمنها (مشروبات كحولية)''، وأضافت: لدي طفلان لا أريد أن يعيشا نفس تجربتي لأن والدي مطلقان وكلاً منهما تزوج ولديه عائلة جديدة، وأنا اليوم لا أجد مكانا أذهب إليه فلا أحد يتحمل وجودي وأطفالي.
أما ابتسام فقصتها مختلفة.. ''أعيش وزوجته الأخرى في منزل واحد ولم يخبرني أنه متزوج لكنه خدعني، وكنت مطلقة وعشت مع أهلي فترة من الزمن كنت أشعر بأنني عالة عليهم ولا أستطيع الآن إخبارهم بما أتعرض له من ضرب حتى لا أكرر تجربتي السابقة، فضلت الصمت والعيش مع ضرتي''.
وتتفق فدوى وخلود وابتسام أن العامل الاقتصادي سبب يؤثر في أن تقبل المرأة بهذا العنف لأنها لا تتمكن من إعالة نفسها أو إعالة أولادها، ويعتبرها المجتمع ''مستثيرة للعنف'' وتتحمل مسؤولية العنف الذي يمارس ضدها رغم أنها ضحية.
وفيما يعتبر أخصائيو علم النفس والإرشاد النفسي الصمت ''وسيلة'' تلجأ لها بعض النساء للحفاظ على مؤسسة الزواج والتضحية من أجل الأطفال، وتماسك تلك الأسر شكلياً أمام المجتمع، يختلف في الرأي علماء الاجتماع الذين يرون ''خطورة'' تكمن في هذا الصمت الذي يسبب ''الإهانة لكرامة المرأة''، ووجود شرخ كبير لدى الأطفال وانعدامية الاستقرار في نفوسهم، فضلاً عما تزرعه مشاهد العنف من كره وحقد ضد الأب.
وقال أخصائي علم النفس وليد حداد ''تلجأ بعض النساء اللواتي يتعرضن للضرب إلى اتخاذ الصمت وسيلة تحفظها من تيار الطلاق ومواجهة المجتمع، وقد تتجلى هذه الحالة أكثر عند فقد المرأة من تلتجئ إليه''.
وأضاف: الخجل من الأهل والمحيطين سببٌ يجعلها تتخذ من الصمت ملاذا يقيها من العودة لأهلها مُهانة الكرامة، ولا نستطيع أن نعتبر هذه التصرفات ضعفاً لأنها نوع من الدفاع عن تماسك الأسرة.
ولا يوافقه الرأي الدكتور فواز أبو خيط (علم اجتماع) الذي يرى في ذلك ''ضعفاً وإهانة للمرأة خصوصاً في وجود الأطفال، مما سيوثر على تكوين شخصياتهم وتنمية الكره والحقد ضد الأب''، ودعا النساء اللواتي يتعرضن لمثل هذه الظروف اللجوء إلى المؤسسات المعنية لمواجهة الأمر بأساليب علاجية حديثة من شأنها أن تحافظ على الأسرة وتضعها ضمن الأطر السليمة لوجودها في بيئة أسرية صحية.
وأرجعت الأمين العام للجنة الوطنية لشؤون المرأة المحامية أسمى خضر سبب قبول المرأة للعنف وعدم الإفصاح عنه لـ''طبيعتها التي تعطي الأولوية للاستقرار الأسري متحاشية الصدامات التي قد تؤدي إلى الطلاق وحرمانها من رعاية أطفالها''.
وقالت: إن غياب التضامن الأسري والاجتماعي مع المرأة يجبرها على تقبل العنف خجلاً من مواجهة الاتهامات وخوفاً من القانون الذي تجهله.
وقد أظهرت دراسة محلية أجراها أستاذ علم الاجتماع نائب رئيس جامعة الحسين بن طلال الدكتور ذياب البداينة أن هناك عدم وعي بالسلوكيات التي تشكل عنفاً ضد النساء، وأن بعض أشكال العنف مغلفة ثقافياً وينظر إليها كأساليب تأديب، وأن العنف ضد النساء شأن أسري خاص يلاقي قبولا اجتماعياً غير معلن، وهو سائد في كافة الشرائح الاجتماعية، وهذا أدى إلى شيوع الكثير من سلوكيات العنف في الأسرة العربية عامة ومنها الأسرة الأردنية.
وحول نسبة النساء اللواتي يتعرضن للعنف، أشارت الدراسة إلى أن ما نسبته (97%) من أصل العينة التي مثلت ''1854'' من النساء، وُزّعت في محافظات المملكة، تعرضن لشكل من أشكال العنف (بما في ذلك الصراخ أو الدفع).
كما أشارت الدراسة إلى أن (57%) قد تبين لهن معارف يؤمنون بالعنف كأسلوب تأديب، كما أن (45%) منهن قد تعرضن وشاهدن شكلاً من أشكال العنف في الصغر، ويعتقد 22% منهن أن من صفات الرجولة الخوف من عقاب الزوج، والسيطرة على الأسرة (27%)، وحق الزوج في معاقبة الزوجة (50%) ومعاقبة أي فرد في الأسرة (72%).
وقالت الدراسة إن (6ر54%) تعرضن للعنف الشديد، و(52%) يعتقدن أنهن مهما فعلن لا يمكنهن الخلاص من وضعهن الراهن على اعتبار أن علاقتهن الزوجية يسودها العنف.
أما ما يتعلق بمدى معرفة النساء بسلوكيات العنف فقد أفادت 47% منهن أن الصراخ أو الإهانة سلوك عنف، و82% الدفع أو الجر، و81% الضرب، و79% الضرب بأداة، 82 الصفع.
وبينت الدراسة أن (97%) من النساء اللواتي يتعرضن للعنف لا يتصلن بالجهات الأمنية مع أن نسبة الزوجات اللواتي لا يشعرن بالأمن في بيوتهن بلغت (54%)، فيما تشعر (3ر55%) من العينة بالخجل مما يفعله بهن الزوج.
وتقل النسبة قليلاً للواتي يشعرن بالخوف من الزوج لتصل إلى (5ر53%)، أما النساء اللواتي يشعرن بالخوف من كشف حقيقة إساءة أزواجهن لهن فتصل إلى (5ر52%)، علما بأن (89%) من العينة كن راضيات عن العلاقة الزوجية الراهنة، وان (11%) يتمنين ترك العلاقة الزوجية.
يذكر أن إدارة حماية الأسرة في مديرية الأمن العام تتعامل مع حالات الإيذاء الجسدي الواقع على الإناث البالغات حيث تعاملت الإدارة عام 2008 مع 562 حالة إيذاء ضد الزوجة، و4 حالات ضد الابنة، و17 ضد الأخت، و11 سُجلت ضد الأم، وبحسب قسم الدراسات في الإدارة انه قد بدأ استقبال حالات الإيذاء الجسدي الواقع على الإناث البالغات في الإدارة منذ بداية العام 2007. ولم تكن هذه الحالات تستقبل في السابق كونه لم تكن هناك دار إيواء خاصة للنساء المعنفات وبمجرد افتتاح هذه الدار بدأت الإدارة باستقبال هذه الحالات.
ويتم التعامل مع حالات الزوجات المعنفات بسرية تامة وبمحاولة للإصلاح بداية من خلال عقد جلسة ''وفاق أسري'' بين الزوجين وبموافقتهما حيث يتم الإصلاح في بعض الحالات وحل الأمور ودياً بوجود باحث اجتماعي، وتعهد الزوج بعدم تكرار الإساءة وكذلك يتم متابعة تلك الحالات اجتماعيا من خلال مكتب الخدمة الاجتماعية في الإدارة.
أما في حالات الإيذاء الجسدي البليغ والذي يحدده تقرير الطبيب الشرعي في الإدارة فيتم إرسال الحالة إلى المحكمة والتعامل مع الحالات بشكل سري، ومتابعة الزوجة والأسرة اجتماعياً في غياب الزوج من خلال باحثين اجتماعيين من وزارة التنمية الاجتماعية ومؤسسة ''نهر الأردن''، وتعزو الإدارة صمت المرأة المعنفة إلى التنشئة الأسرية والثقافة المجتمعية، والخوف من ردة فعل المجتمع، والتضحية من اجل الأطفال، وعدم وجود دخل شهري واستقلالية مالية للزوجة بالإضافة إلى الخوف من الطلاق اجتماعياً ونفسياً.