مئة سنة مرت ونحن ما نزال نحتفل بـ"يوم" للمرأة..

الرئيسية > المركز الاعلامي > الأخبار > مئة سنة مرت ونحن ما نزال نحتفل بـ"يوم" للمرأة..
Printer Friendly, PDF & Email

مئة عام ونحن نلوك حقوقها في عالمنا الثالث ونرسم وعودا وأحلاما زائفة، متسلحين بأطنان من التشريعات والقوانينِ وبجيش من العلماء والخبراء القافزين على التاريخ لتطويع نموذج "أنثوي" معولم قابل للتصدير.

وبالتأكيد فإن ظهور"الفكرة" في حد ذاتها في بداية القرن العشرين مثل حافزا قويا لغيرنا من الشعوب لحشد الجهود وتثبيت الحقوق وأنسنة هذا الكائن وزيادة نسبة مشاركته في العملية التنموية.

لكن السنة المئة في عالمنا العربي مرت دون أدنى شك، سنة من سنوات ضياع حفلت بالمرأة العربية بامتياز.

امتياز، رافقه عنف واستغلال ونظرات دونية، همشت دورها وعمقت اضطهادها.

ولا يحتاج المرء لأكثر من مقارنة بسيطة بين الأقوال والأفعال ليقف على حجم النفاق الذي تنتهجه أغلب الدول العربية في تعاطيها مع قضية المرأة الهدف منها، تزويق أنظمتها والإيهام بديمقراطيتها.

فرغم ما سُجل في السنوات الأخيرة من حماسة في الخطب، علت منابر السياسيين والبرلمانيين والحقوقيين صارخة في السواد الأعظم اللامبالي بنصفه الاخر لكن واقع المرأة ظل باهتا، صامتا تزعزع من حين الى آخر بعض الثائرات اللواتي يقتحمن عنوة سوق العمل ويزاولن نشاطات سياسية على الهامش.

غير أن المطبلين والمهللين لهذا الحضور الخجول، تناسوا أن حقوق المرأة لديهم بقيت هلامية يطغى عليها الطابع الرمزي ولا ترقى إلى مستوى التطلعات.

والاكيد أن حقوق المرأة العربية ما زالت تحبو وقد يصيبها العرج في قادم الأيام نتيجة كثرة العلل وتضخم الهنات.

ففي كل ثانية، تتعرض المرأة في دولنا العربية للاضطهاد والعنف والتحرش الجنسي، وتبقى هذه الظاهرة سجينة البيوت والقلوب بدعوى الخصوصية والحياء والعيب.

ورغم تصديق أغلب الدول العربية على الاتفاقيات الدولية إلا أنها ما زالت لا تعترف بكل أشكال العنف ضد المرأة حيث أن مجتمعنا مصر على اعتبارها مبررة اجتماعيا خاصة العنف داخل الأسرة.

ولعل أبرز المؤشرات على ذلك غياب الإحصاءات التي تحدد حجم الظاهرة وآثارها على المجتمع ومن ثم سن تشريعات تكفل حماية المرأة واتخاذ تدابير لمقاضاة مرتكبي الانتهاكات لحقوقها .

ولا زلنا نذكر حادثة التحرش الجنسي الجماعي التي شهدتها شوارع وسط القاهرة في أول أيام عيد الفطر من العام الماضي، والتي أثارت العديد من التساؤلات حول المسؤول عن هذا السعار الذي طفا بشكل مفاجئ على سطح مجتمعات يغلب عليها الطابع المحافظ؟

وقد عزا كثيرون، سبب ذلك إلى الكبت الجنسي الذي دفع بمئات من الشباب الجائع بشكل جماعي وشبه منظم إلى القيام بفعلته.

هذا الكبت الذي حول الشباب إلى وحوش جنسية كاسرة، يدق ناقوس الخطر ويضع العديد من علامات الاستفهام حول الخطط والدراسات العربية التي أسرفت في التغني بحقوقها ومكاسبها في العديد من الدول العربية.

ولكن، لماذا هذا الاسفاف بالمرأة ؟

الاجابة بسيطة وخطيرة، فمجتمعاتنا العربية لازالت تحكمها عقدة "الجنس" إذ المرأة جسد موغل في المتعة ليس إلا!

والاحصائيات الصادرة عن بعض المراكز الحقوقية والتنموية تشير أن إضطهاد الرجل للمرأة إضطهاد جنسي قبل أي شي- فمصر مثلا تؤكد أن هناك 20 ألف حالة اغتصاب وتحرش جنسي ترتكب سنويًّا، أي أنّ هناك حالتيْ اغتصاب وتحرش تتم كل ساعة تقريبًا.

أما ملف السعودية المثقل بالتعصب الذكوري، فلم تستطع هيئة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر من خلاله حماية المرأة الملفوفة بسولوفان العادات والتقاليد والفتاوى الموزعة يمينا ويسارا من لجم ظاهرة التحرش بالنساء التي سجلت ارتفاعا ملحوظا بلغت نسبته 215%.

وأظهرت التقارير أن قضايا الاعتداء على العرض بشكل عام ارتفعت بنسبة 25%، فيما ارتفعت حالات الاغتصاب بنسبة 75%، وقضايا اختطاف النساء بنسبة 10%.

وتمثل بلاد الشام أنموذجا نوعيا في الدوس على حق المرأة في الحياة حيث أقامت عليها الحد ظالمة ومظلومة.

ودقت جرائم الشرف ناقوس الخطر وأعلنت أن الدول الخمس الأولى في العالم التي ترتفع فيها معدلات جرائم الشرف أربع منها عربية!

هذه الارقام تصيب عقولنا بالتكلس، والبلادة.. فهل أصبحنا أقل الأمم شرفاً ؟

الغريب أن هذا الأمر، ما زال مستمرا منذ قرون كامتداد طبيعي للعادات الاجتماعية المتحجرة والمتخلفة التي ما زالت تتوارثها الأجيال منذ الجاهلية وحتى يومنا هذا.

وبالرغم من كثرة المؤتمرات والندوات والدراسات التي دعت وما زالت تدعو إلى ضرورة إعطاء المرأة دورها الحقيقي وأهمية تمكينها من ممارسة هذا الدور فعليا، إلا أن النتائج المرجوة على خلفية تلك المؤتمرات والندوات والدراسات بقيت حبرا على ورق تتقاذفها أدراج المكاتب والادارات.

هذا الأمر، أسقط المرأة العربية في دائرة من المشاحنات الزئبقية والفتاوى الطائشة، فبقيت سجينة نفق طويل مظلم.

لكن، طول النفق المظلم لايحجب النور في آخره.

وفي إعتقادنا أن التجربة المغربية محاولة رائدة في مجال حقوق المرأة لا سيما من خلال الاصلاحات التي ادخلت على مدونة الاحوال الشخصية وقانون الجنسية رغم أن تطبيق بعضها يلقى العديد من العراقيل.

وإلتزام سياسييها برفع منسوب حقوق المرأة حقيقة لا تحجبها التقارير الدولية المهتمة بشؤون المرأة، فهم لم يتوقفو عند مشارف القوانين والاجراءات، بل تخطوها الى محاولة تغيير الرؤية الذكورية للمرأة كعنصر فاعل وشريك في التنمية.

وتتسع كوة النور، في المقاربة التونسية الشمولية، لتكون الانموذج المتميز والواقعي في العالم الثالث، فهي رؤية للتغيير ومقاربة للمجتمع.

فتطوير وضع المرأة في تونس يتم بالتوازي مع تطوير الواقع الاجتماعي والاقتصادي والثقافي الذي يؤثّر في الرجل كما يؤثّر في المرأة، دون أن ننفي الجهد الذي يستهدف تطويرا يطال ذاكرة ثقافية ودينية تشطح أحيانا باتجاه عصور الردة والانغلاق..

وهذا ليس بغريب على بلد الحداد "النبيّ المجهول" في عصره، الذي انفجر كالبركان بآرائه النيرة وأفكاره الطــلائعية ونظــرته التـقدمية وقد قال عنه عميد الأدب العربي طه حسين بعد الفراغ من قراءة كتابه: "لقد سبق هذا الفتى قومه بقرنين".

وبالفعل، جاءت مجلة الأحوال الشخصية بـ"ثورة" حقيقية سبقت بها تونس جل البلدان العربية بقرنين أو أكثر، هذه الثورة انطلقت مع الاستقلال وتعمقت الآن بفعل التطويرات والتنقيحات النوعية التي أقرها الرئيس التونسي زين العابدين بن علي سنة وراء أخرى حتى وصلت إلى تحقيق مفهوم الشراكة.

لكنها شراكة مؤسسة على رؤية مستقبلية تنتصر للحداثة والتفاعل مع المنتج الإنساني، وليس على توافق اعتباطي.

وقد يكون الانموذج التونسي خطة العمل الناجحة للدول العربية التي لم يعد أمامها، في ظل التدهور الاقتصادي، غير الإقتداء بـ"إمرأة الحداد" لتصنع نموذجا تنمويا قادرا على محو الصورة الضبابية والشديدة السواد للمرأة العربية.