ممارسات رسمية تأتلف مع التقاليد لإقصاء ناشطات عن السياسة

الرئيسية > المركز الاعلامي > الأخبار > ممارسات رسمية تأتلف مع التقاليد لإقصاء ناشطات عن السياسة
Printer Friendly, PDF & Email
image

تختلف ملاحقة المرأة أمنياً في المجتمعات الشرقية عن ملاحقة الرجل, ويأتي الاختلاف من طبيعة إدراك الأجهزة لسيطرة الأسرة على خيارات المرأة.
وتعول الأجهزة كثيراً على عقلية الأسر الأردنية المتشددة حيال المرأة, فغالب الأسر الأردنية تخشى من فكرة التحقيق مع بناتهم, حتى ولو كان التحقيق على خلفية نشاط سياسي.
وإننا وإن اعتقدنا أننا نعيش في الأردن مرحلة انفتاح سياسي فثمة ممارسات تحد من هذا الانفتاح وتجعله محصوراً في إطار ضيق وضمن فئة محددة, فقبل ما يزيد على العشر سنوات قال أحد المسؤولين للزميلة رندة حبيب أننا نعيش فترة أحكام عرفية لكن في قفازات مخملية - وفق ما أوردته الزميلة حبيب في كتابها الحسين أبا وابنا - ويتطلب الأمر لتوضيح العبارة هذه تأمل المشهد السياسي الذي يتحرك في إطاره الشباب.
ويسعى هذا التقرير لتوضيح هذه العبارة عبر تجربة فتيات ناشطات في العمل السياسي وكيفية تعامل المجتمع والأجهزة معهن.
تم النص في بلدنا على قانون أحزاب, ولدينا أحزاب مرخصة, لكن مجتمعنا يخشى الانخراط فيها ويشكل نشاط الابن أو الابنة السياسي كابوساً للأهل, فكيف يمكن فهم هذه المفارقة?
عندما نتحدث عن الحرية علينا أن ندرك أولاً أن تجزئة الحرية أمر غير ممكن, فحرية العمل السياسي والتعبير عن الرأي يجب أن لا تحددها محاذير باسم لا يجوز, فطالما وُجدت تابوهات ومحرمات في المجتمع في ظل الانفتاح العالمي الحالي فلا بد وأن يتشكل خطر على الناشط السياسي, حتى وإن أعلنت الدولة أنها تحترم الحريات.
قبل فترة طلب التلفزيون الأردني في خطوة كان القصد منها الانفتاح على الآخر طلبة ناشطين في أحزاب المعارضة, وتحدثت إحدى الناشطات عن تدخل الأجهزة الأمنية في الجامعات, وما كان من الأجهزة إلا أن اتصلت بوالدتها وتضمن الاتصال استنكارا لتصريحات الطالبة مشفوعا بنبرات التهديد.
وتعلق الطالبة أثناء حديثها ل¯ العرب اليوم ما هذا الأسلوب? لماذا لم يتوجهوا بالحديث إلي?, يبدو هنا أن الأجهزة تعتمد على العقلية التقليدية في إزاحة الناشطات من الساحة السياسية وتفريغ المعارضة منهن.
وما أرادته الأجهزة كان, إذ قامت والدة الطالبة بحرق مودم الانترنت, وجلس الأب يروي لابنته مخاطر حبس الفتاة في السجن وما يمكن أن تتعرض له, وقاموا بحرق بروشورات داعية للإصلاح.
وهنا توقفت قليلا وعلقت على ما سبق أحيانا يكون قمع الأهل أقسى من الأجهزة, أنا لا أخاف أمام الأجهزة, لكنني أقف طويلاً أمام أهلي وأخشى عليهم, فلقد أصاب والدتي مرض الضغط بسببي, وهذا آلمني.
الحالة السابقة لم تكن الوحيدة فذات الأسلوب تم إتباعه مع إيناس وهي طالبة جامعية, فقامت الأجهزة بالاتصال على والدها مطالبة أن يضغط على ابنته لتقوم بحذف محتويات مدونتها التي تتضمن انتقادا للأحداث الجارية في البلد.
تعلق إيناس ما أغاظني أنهم اتصلوا بوالدي, لماذا لم يستدعوني أنا, وأضافت بأن الأمر لم يقتصر على استدعاء والدها بل تم تهديده بسحب الأرقام الوطنية, وتعهدوا بفصلها من الجامعة إن استمرت في الكتابة على مدونتها رغم أنها حاصلة على تقدير جيد جداً.
وأضافت أن ثمة شبابا كثر يهددونها داخل أسوار الجامعة, ما سبب لي القهر أنني قمت بشطب المدونة لأجل أهلي, لكنني عندما فكرت بما جرى تنبهت إلى أن تعاملهم معي ومع أسرتي غير قانوني, فلا يوجد في القانون ما يمنعني من التعبير عن رأيي وإن أسأت لأحد فلم لا يقم برفع قضية علي في المحكمة?.
وتنتظر عائلة إيناس منها إنهاء دراستها الجامعية ليقوموا بتسفيرها إلى الإمارات بغية إبعادها عن الأجواء الحالية, وتعلق على ذلك  أعرف تماما أنني سأشتاق لعمّان لأنني أحبها, وأحلم بأن أقدم لها شيئا, لكنها لا تحبني, ومنذ أحداث 25 آذار أشعر وكأنني منبوذة فيها.
طالبة أخرى تعرضت لضغوطات مختلفة, فرغم حذرها بما يتعلق بالنشاط السياسي من منطلق تشديد أهلها عليها فيما يتعلق بذلك, إلا أنها تعرضت لقمع سياسي من نوع آخر.
فهذه الطالبة ورغم أن أسرتها تحظر عليها وعلى أشقائها الحديث في السياسة خارج أسوار المنزل إلا أنها تشارك بالعمل السياسي داخل أسوار الجامعة دون علمهم, وتسببت مشاركتها مع كتلة تنتمي لتيار معارض بحرمانها من الترشح لمجلس الطلبة, وأضافت بأنه وعندما بدا توجهها واضحا إثر مناقشتها لأستاذ التاريخ المعاصر حول شباب 24 آذار بدا له موقفها, وفيما بعد بدأ يظهر توجهها أمام الجميع.
وعندما أرادت الترشح لانتخابات مجلس الطلبة قال لها عميد شؤون الطلبة هذه انتخابات عشائرية ولن يكون لديك فرصة للنجاح, لكنها أصرت على موقفها مؤكدة أن الشباب ما عادوا يؤمنون بهذه التصنيفات.
وفوجئت بعد أيام بدعوة عميد شؤون الطلبة لها وتأكيده لها بأن ترشحها غير قانوني لأنه لم يتبق لها غير فصل دراسي, لتتفاجأ أن الجامعة قامت بضم ست ساعات دراسية لقائمة ساعاتها التي اجتازتها, فبعد أن كان عدد الساعات المتبقية لها للتخرج هي 24 ساعة, أصبح 18 ساعة.
وأمام هذا التلاعب بساعاتها الدراسية لم تتمكن من الترشح للانتخابات, كما أنها شعرت برغبة الجامعة في التخلص من الشباب الناشطين داخل أسوار الجامعة بكافة الأشكال والأساليب.
يبدو جلياً من تجارب الفتيات السابقة صدق عبارة المسؤول التي استفتحنا فيها التقرير أحكام عرفية بقفازات مخملية, لكن تكتمل الصورة أكثر عند الحديث مع أبرار التي بينت أننا لا نعيش فترة أحكام عرفية في الظاهر, لكن الناس ما زالت تخشى العمل السياسي والحزبي.
ورغم تزايد الوعي في هذه الفترة لدى البعض إلا انه لم يصل للمستوى المطلوب, فما زالت الناس تتحدث في السياسة من منطلق مصالحها, ووضحت أكثر بأن المصلحة العامة تغيب عن الأكثرية, فمن لم تتضرر مصالحه لا يرى داعيا ليقف بجانب الآخرين ليطالب بتحقيق مصلحة البلد, مرجعة ذلك لعدم توفر الوعي السياسي في المجتمع.
ورغم أنها لم تتعرض لتهديد بسبب نشاطها السياسي إلا أنها سمعت عن فتيات تعرضن للتهديد, لكنها علقت على ذلك عندما تكون الفتاة مؤمنة بما تقوم به فإن التهديدات لن تثنيها عن عملها, وستتمكن من التصرف وحماية نفسها, من منطق الحاجة أم الاختراع فستصبح قادرة على إيجاد طرق لحماية نفسها مع مرور الزمن.