تقدم في الثامنة من مساء غد الجمعة، في المركز الثقافي الملكي مسرحية «أوراق الحب» من تأليف ليلى الأطرش وإخراج مجد القصص، «الرأي» حاورت المؤلفة الأطرش حول الثيمة الأساسية للمسرحية، وحكايتها، وتأويل تكرار استخدام مسألة الآثار العاطفية بين محبين من ديانتين مختلفتين، أو فكرة قتل قابيل لهابيل، أو سكوت الزوجة على خيانة زوجها، من أجل حمايته، أو حماية المؤسسة الزوجية، أو غير ذلك من الاستخدامات الأخرى المكرورة، وبالتالي محاولة معرفة ما هو الجديد بالنسبة لها من وراء إعادة تكرار استخدام تلك المعطيات السابقة، وما هو المبرر أو التوظيف الدراميين من وراء ذلك، وكيف كانت علاقتها مع المخرجة، أثناء العمل المشترك؛ هل هي تبعية، بحيث هيمنت الرؤية الإخراجية على رؤية وبنية النص، أم انها الأطرش فرضت متنها النصي، في صناعة هذه المسرحية، وبالتالي ذهبت لمخرجة إلى صياغة عرضها وفق رؤيتها على مستوى المبنى والمعنى، أم كانت هناك علاقة أخرى تشاركية، تحاورية، ورؤيتها في التعامل مع الرواية كحقل أدبي ذهني، والمسرح كحقل فني، لجهة أيهما تختار من حيث الراحة والانسجام والتفاعل، واستمزاجها فيما لو عادت إلى الوراء للبدايات، وخيرت بين الكتابة للمسرح، أم للرواية، أيا تختارين، ولماذا. وتاليا الحوار.
*ما هي الثيمة الأساسية للأبنية العميقة لمسرحيتك، ما الذي تريدين أن تتركيه في عقل المشاهد وهو يغادر قاعة العرض، إلى الحياة الواقعية بما تعج من متناقضات وملتبسات؟
- المسرحية تطرح القضايا الإنسانية العميقة، وربما لأول مرة في المسرح العربي؛ قضايا الاعتداء على الطبيعة وما صاحبه من تغيرات مناخية تؤذي هذا الكوكب الجميل الذي منحه الخالق للإنسان فلوثته الأطماع والتعدي على الغابات والحروب والصراعات، والتركيز على مشاكل المياه والتلوث البيئي وعمالة الأطفال وتجنيدهم في النزاعات وسرقة طفولتهم وبراءتهم. كما تطرح قضايا المرأة من جوانب مختلفة، الزوجة المخدوعة، والعشيقة المستغلة من الرجل، والأخت التي يهددها شقيقها بالقتل لأنها أحبت، والفتاة التي تحب شابا من غير دينها فتواجه بالتعصب والرفض، والمرأة الحامل الذي يتهدد جنينها طغيان البشر.ثم هناك الشخصية الرئيسية وهي العبثي الذي يرى أن لا خلاص لهذا الكوكب إن ظل البشر على طمعهم واستغلالهم وفسادهم.
الرسالة هي أن نحب الأرض ومن عليها، وأن الأمل في أطفال المستقبل وفي شبابه حين يرفضون التعصب ويقبلون الاختلاف بين المذاهب، وأن خلاص كوكب الأرض بتغير سكانه ووقف الاعتداء على طبيعته، والتوقف عن التجارب النووية والغازات والسموم التي تهدد العالم بالفناء.
*هل يمكن تلخيص حكاية المسرحية ؟
* هي مسرحية موسيقية، بلغة شاعرية لتناسب الحب والفكر معا، فيها إسقاط كبير على الواقع العالمي والعربي من خلال نماذج متباينة جمعها الخطر في مكان محصور في أحد الملاجيء، لفترة من الزمن، تبدأ المشاهد ببشر يحتفلون بيوم الحب، فينطلق زامور الخطر محذِّرا من هجوم بالغازات السامة على المدينة، ويطالب الناس بالاحتماء بالملاجىء. فتتبدى أنانية البشر وتنازعهم على الحياة حين يتزاحمون على الأماكن البعيدة عن الباب، لاحتمال تسرب الغازات منه، ثم تتكشف شخصيات المسرحية، الزوج والزوجة والعشيقة، الأخ المتزمت الذي كان يخطط لقتل أخته لأنها تحب شابا رآها معه فعطل زامور الخطر خطته، وشاب وفتاة من ديانتين مختلفتين كانا يحتفلان بحبهما ثم هربا إلى الملجأ، والمرأة الحامل بالتلقيح الصناعي وزوجها ينتظران طفلا هو الأمل والرجاء بعد عقم الرجل .ثم شخصية الحكيم الذي فقد الرجاء في إصلاح الكون، وهو همزة الوصل والضمير لهذه المجموعة المتباينة، إنها لحظة مواجهة الموت، حين يبدأ الناس في مراجعة حساباتهم ومحاولة التكفير عن ماضيهم وإصلاحه لو كتبت لهم الحياة كما مع الزوج التاجر المحتكر والخائن لزوجته.كما فيها مناجاة حميمية بين العاشقين، ومحاولة استرجاع عاطفي بين الأخت وشقيقها حيث تستعيد ذكريات الطفولة فتقول لأخيها: إن الحقد عميق كهاوية، وتطلب منه الخروج لتعود لهم ببشارة الحياة أو تموت ما دام قد حكم عليها بالموت، فينقسم من في الملجأ على خروجها من يرى منهم أنها تحاول الهرب، وآخر يشجع وآخر يرفض أن تضحي بحياتها فيقترح أحدهم إجراء تصويت على خروجها.اما الحكيم العبثي فيطرح قضايا الراهن من اعتداء على الطبيعة والطفولة المعذبة والسخرة والاستغلال وظلم النساء، وقبول النساء بهذا بأعذار مختلفة فيخاطب الزوجة قائلا:
كبّلكِ الاعتياد
افتحي أبوابَ جنةِ موهومةٍ لو تستطيعين
اهدمي أسواراً لا تصدُّ فحيحَ الأفاعي
إذ تنهشُ امرأةً لا يرغبُها رجُلُها
تطرِّز بحكايتها عباءاتِ الليل
بما كان وما لمْ يكُن
كما تناقش المسرحية التعصب الديني وعدم قبول الاختلاف، وقد طعّمت النص ببعض جمل قليلة لنزار قباني ومحمود درويش وإيليا أبو ماضي، وأغنيات لعبد الحليم حافظ وأم كلثوم.
*إذا كانت الحكاية الذريعة لطرح المعنى والرسائل، لماذا اخترت هذا السياق السردي للرواية/ ونفسه لنص المسرحية في طرح هذه الرسائل؟
كتبت نصا مسرحيا جديدا ولم أتكىء على أي نص سابق، وفكرة كتابة مسرحية جاءت بعد تحفيز من المخرجة المبدعة مجد القصص، حيث طلبت أن أكتب مسرحية قوامها الحب، وعقدنا جلسة عصف ذهني بحضور الناقد الكبير د. فيصل دراج، والشاعر د فايز صياغ، وهي جلسة محفزة بالتأكيد، ولكنني ارتأيت أن اخرج إلى قضايا إنسانية أكثر شمولية وغير مطروقة خاصة قضايا البيئة وعمالة الأطفال واستغلالهم في النزاعات وحروب المياه وخطر الاشعاعات وتسربها والاحتكار والفساد. حيث تقول شخصية العبثي:
برابرةً كانوا وتجاراً.. مستكشفين ومستعمرين
عهّروا الأرض .. دنّسوا طهرها
لوثوا أنهاراً سبَّح نقاؤها بروعةِ الخلّق
سرقوا مُرجانها، نهبوا ثرواتها.. انتحرت حيتانُها، هاجت أمواجُها.. هجّنوا بذورَها
وما زالوا يقتلون باسم الحب»
إن النص المسرحي قادر على خلق التفاعل المباشر بين من على خشبة المسرح والمتلقين، وبالتالي القادر على إيصال الرسالة بشكل فوري، وكذلك مقياس التفاعل بين النص والإخراج والجمهور.
*لوحظ استخدامك في المتن النصي، لمسألة آثار العلاقة العاطفية بين محبين من ديانتين مختلفتين، أو لفكرة قتل قابيل وهابيل، أو سكوت الزوجة على خيانة زوجها لحمايته، أو لحماية المؤسسة الزوجية، أو غير ذلك من الاستخدامات المكرورة، في المعالجات الدرامية والأدبية المختلفة، الآن ما هو الجديد بالنسبة لك لإعادة تكرار استخدام تلك المعطيات السابقة، وما هو المبرر أو التوظيف الدراميين من وراء ذلك؟
للأسف هذا الكلام غير دقيق، فالمسرحية فتحت آفاقا غير مطروقة في تناولها، وهذا هو التجديد الأول بالنسبة للنص، ثم الحرص على اللغة الموحية المكثفة والشاعرية في آن واحد.. البطل المحوري للنص هو العبثي الذي يقدم مشكلات العالم لأول مرة، البيئة وتلوث الأنهار وجفافها، والسموم وطبقة الأوزون وغيرها من المفردات، أما الإشارة إلى قتل هابيل لأخته فجاء في توصيف جريمة الشرف المحتملة الوقوع، أما سكوت الزوجة فلم يكن لحماية الزوج بل لضعفها وخوفها من مجابهة المجتمع حيث يواجهها العبثي بقوله «بل تخشين من فحيح الأفاعي خارج اسوارك عن حكاية نبذ رجلها لها وخيانته..توظيف مثل هذه القضايا في النص هو لتأكيدها، ولأنها تشكل اعتداء على إنسانية المرأة، كما الاعتداء على كوكب الأرض وعلى الطفولة.
*في إنتاج هذه المسرحية، هل كانت علاقتك كمؤلفة، مع المخرجة، علاقة تبعية لما تريد المخرجة فعله، بحيث هيمنت الرؤية الإخراجية على رؤية وبنية النص، أم انك فرضت متنك النصي، في صناعة هذه المسرحية، وبالتالي صاغت المخرجة العرض وفق رؤيتك على مستوى المبنى والمعنى، أم هناك علاقة أخرى تشاركية، تحاورية، أرجو تبيان واقع الحال فيما جرى حيال ذلك؟
المخرجة مجد القصص ذات رؤية إخراجية متميزة، وقد اجتمعنا مرات كثيرة لمناقشة ما أكتبه وكنت أرسله لها ومنذ الصفحات الأولى ومع كل إضافة. وفي كتابة النص لم تفرض إحدانا رؤيتها، وعند اختلاف الرؤيا نتوصل إلى حله بالاقناع، مثلا.. كان النص الأولي فيه طفل يجسد الأمل في المستقبل، فرفضت المخرجة شخصية الطفل واقتنعت بأسبابها خاصة حين تعرض المسرحية خارج الأردن وارتباط الأطفال بالدراسة والنوم، فاستبدلت ذلك بشخصية المرأة الحامل. وحين كتبت عن مشاكل المياه والبيئة اعتقدت المخرجة أن هذا الموضوع طغى في النص فأقنعتها بأن طرح القضايا الإنسانية أهم بكثير من قضايا الحب الفردي خاصة أنه موضوع لم يطرق بعد فاقتنعت.. لقد عالجت النص بفنية عالية من حيث استخدامها لفيزياء الجسد والإيقاعات المبتكرة لما اخترته من أغان أو اقتباس ابيات شعرية.
*الرواية كحقل أدبي ذهني، والمسرح كحقل فني يجسد حيا على المسرح، بالنسبة لك أي منهما، ترين فيه أكثر راحة وانسجام والتفاعل معه، أثناء عملية الإبداع، على مستوى التقنية، والرسائل.
* السرد الروائي هو المسئول الوحيد عن رسم الشخصيات وتحليل نفسياتها وإشعال مخيلة المتلقي وتحريك عواطفه وتوضيح جميع الصور الحسية والمكانية، في حين أن الوسائل السمعية والبصرية المساندة في المسرح تسهم في توصيل المشهد العام، وهي تحرك حواس المتلقي مع الكلمات والحوار، لهذا فكتابة الرواية أكثر صعوبة من المسرحية أو المسلسل الإذاعي أو التلفزيوني.
*لو عدت للوراء للبدايات، وخيرت بين الكتابة للمسرح، أم للرواية، أيا تختارين، ولماذا؟
- الرواية بدون شك، رغم أنني استمتعت بخوض تجربة الكتابة للمسرح، فالكاتب يبحث دائما عن التجديد، في المضمون والشكل والوسيلة، ولكن ولائي بالتأكيد يظل للرواية لأن بناء عالمها وشخوصها وتفاعلهم وتقاطعهم مع الحياة متعة فريدة، وفي الرواية أنا سيدة الكلمة والمسئولة الوحيدة عن نجاحها أو فشلها، في حين أن العمل المسرحي هو عمل جماعي، من المخرج والممثل والموسيقي وفني الإضاءة والصوت والديكور والملابس وكلها مكملة لبعضها لا يستقيم أحدها دون الآخر.








5118, Amman 11183, Jordan