أمهات خرجن من صخرة حياة يشوبها الشوك والاسى وجراح الزمن ودموع الفراق.. ابين الا الاستمرار بالحياة باي شكل كان رغم قسوة الحراك.. التزمن بأبناء لهن شاء القدر ان يكن المعيل الوحيد لهم وخرجن في تفاصيل الحياة لتجد كل واحدة منهن مجالا قد تعيل به اجساد ابنائها بكل شرف وكرامة وكبرياء لا يمكن ان تجد مثيله باي مكان كان.
انهن مثل كل نساء العالم بملامحهن وربما طموحاتهن.. لكنهن لسن مثل أي واحدة بروحهن وصمودهن وقوة صبرهن وحالة القهر التي يعشنها والطموح الذي يوحد خشونة ايديهن وتشقق اقدامهن وسمرة بشرتهن من اشعة الشمس الساطعة ولهاث صدورهن من وهج برد الفجر وندى الصباح.
انهن لسن امهاتنا فقط بل امهات العشرات لا بل المئات من الشباب والاطفال اللواتي بذلن كل الجهد وادمتهن دموع العين وتشققات الجلد والاوجاع وتحمل الذل واساءات بعض الناس.. وسهر ساعات الليل للتحضير ليوم غد الشاق الباحث عن الرزق ولقمة العيش.
انهن اسماء لا على التعيين لكنهن بيننا نراهن كل يوم وفي معظم المناطق وعبر الازقة وفي اماكن العمل باحثات عن رزق وعمل وقوت وتعليم لابنائهن بعد ان ربما توفي زوج او تركها لاسباب غير معلومة او قد يكون على قيد الحياة واقعده مرض او اعاقة.. ولم ينظر لهم بشر سوى عين لله ترعاهم.
انهن امهاتنا جميعا وهن اليوم رمز ايامنا ليوم الام الذي لابد ان يكرس لكل ام مثابرة مناضلة تقتلع الشوك لترى بعضا من نور وبعضا من رزق حلال لاي ظرف يعشنه سواء كن قائمات على رزق ابنائهن او يعلن اسرهن لعلة برب الاسرة او لاستكمال مصدر الرزق او لغياب اب لوفاة او طلاق او غياب عن الحياة لاسباب مختلفة.
قد لا تفرق من هي تلك الام المثابرة وما اسمها لانهن جميعهن رفضن الافصاح عن اسمائهن علنا او حتى التقاط صور لهن للنشر لانهن يؤمن بان حياتهن ليست للنشر او كما اعتبرت احداهن لايمكن ان ابوح بما لا يرضي ابنائي الشباب.
نؤمن بهن ونكبر جهودهن للبحث عن رزق كريم ، ونقدر وقفتهن الصباحية بانتظار من يشتري منهن خضارا من نعنع او زعتر او سبانخ ، وخضارا نظيفة للطهي في زمن اصبحت به النساء تبحث عن الاسهل والانظف للتدبير المنزلي ، وبعضا من قطع بلاستيكية لاستخدامات المنزل..
فها هي ام خالد ترقد على احد الميادين في منطقة من عمان الغربية لتنتظر بالبرد القارس او الحر الشديد ، لا يهم ، لزبون يبحث عن كيس خضار للبيع ، تمر من تل المنطقة لتجدها تنادي عليك ليس بصوتها انما بنظرات تراها انها تبغي منك رزقا حلالا ايمانا بانها لن تمد يدها الا بعرق جبينها فتراك تتجه اليها وتسأل ماذا عندك فتسرد كل ما عندها وكانك تسمع نشيدا كاملا بلا توقف من اول حرف لاخره فتحتار ماذا ستشتري لتراك تأخذ شيئا تحتاجه ربما وباصرارها على البيع تأخذ اكياسا لا تحتاجها بالفعل لكن اكراما لها فانك تهبها سنوات تعبها.
لاسألها لحظة توجهت اليها هل تعيلين عائلتك يا حجة؟ تقول نعم يابنتي لكن ارجوك لا تكتبي ولا تصوري فلا حاجة لذلك فانا اسعى لرزقي ووالدهم غاب منذ 10 سنوات الى بلد مجاور ولم اسمع عنه اية معلومات او اخبار ولم يتصل ولا اعلم هل هو على قيد الحياة ام لا.. انتظرت شهورا وسنوات لكن لا مجيب.. وانقطع مصدر الرزق لابنائي الستة واصغرهم كان ما يزال بعمر السنة ولا ادري اين اذهب ولمن اطلب معونة.. وخوفا على انفسنا من الجوع سعيت للقمة عيش ابنائي فاصبحت اتوجه للمناطق المجاورة اجني الثمار الخاصة بالموسم وانظفها واضعها باكياس للبيع واخرج من بيتي يوميا من السادسة صباحا لاصل الى هذا المكان واجلس فيه منذ عشر سنوات لا اغيره لابيع الزبائن الذين اصبحوا الان اهلا لي وما يحتاجونه أؤمنه لهم وبربح بسيط لكنه اصبح يعيل اسرة كبر ابناؤها وتعلموا واصبح جزءا منهم يساعدون ام خالد بحمل الكيس وايصال الثمار لموقعها.. وتعود في ذلك المساء ليس قبل الساعة التاسعة بعد عناء المواصلات لتحضر العشاء لابنائها الذين ينتظرون لقمة هي قوتهم لساعات طويلة مضت يمسحون العرق عن جبين امهم ويهدونها نجاحهم بالمدرسة وحسن اخلاقهم وتقديرهم.
واخرى هي الحاجة ابتهاج... ولا تحمل من اسمها شيئا رغم ان لكل من اسمه نصيبا ، لكن كفاحها لجلب قوت ابنائها جعل ابتهاجها بحب الناس لها ولعملها ولحسن معاملتها ولضحكتها التي لا تفارق محياها.. ورغم رفضها الشديد للحديث عبر الاعلام الا انها امنت اننا لن نقدمها سوى نموذج حي للام والمرأة المكافحة دون تصريح بتفاصيل حياتها التي اعتبرت انها لا ترى ضرورة لاظهارها من اجل ابنائها الذين اصبحوا الان وهم ثلاثة شباب يعملون في مواقع مختلفة بمؤسسات معروفة.
قالت الحاجة ابتهاج توفي زوجي قبل نحو 20 عاما ، ولم تكن ترى بالدنيا شيئا سواه ، حيث عانى قبل وفاته امراضا وقد اضطرت الى بيع كل ما تملك في بيتها لعلاجه وتوفي ولم يكن بالبيت شيء سوى فتات من الاثاث وما كان منها الا ان تفكر بشيء تقيت به ابناءها الذكور الثلاثة من حليب وخبز وملابس رثة تقيهم برد الشتاء.
هي تلك الام الماردة العطاء والاداء والتضحيات لا تقف في مكان واحد بل تراها بكل ثقلها وتعبها تضع الصرة فوق رأسها محملة بكل اصناف قطع البلاستيك الخفيفة لتدق على الابواب وتعرض بضاعتها بكل كبرياء فتصد احيانا كثيرة وتطرد غيرها ويرحب بها ببعض البيوت ويهابها البعض الاخر لما يرد من قصص تؤذي البشر لكنها لا تيأس ، تعرض ما تملك مرة وعشرات المرات الى ان تكسب ثقة ست البيت وكان ما حصل الى ان اصبحت تملك ليس زبائن بل اصدقاء يعتبرونها جزءا من العائلة يحملونها ببعض الطعام لابنائها وحاجيات البيت لهم وتصل الى بيتها مساء محملة بالاسى والتعب وتورم الاقدام لكنها ترد لهم بطعام بسيط يقبلون عليه بكل فرح وتراها تضع راسها على وسادتها التي تحمل ذكريات عشرين عاما مضت لتغط بنوم عميق لا يسعها من خلاله الا ان تستيقظ فجر اليوم الذي يليه وتتجول مرة اخرى بمناطق عمان بعد ان تعرج على مصدر البلاستيك في منطقتها باحدى مناطق عمان الشرقية لتشتري القطع البسيطة وتبيعها بارباح لا تتعدى شقاء السنوات.
وتلك الام الاخرى التي أبت الحديث وأبت الحوار حتى الاستماع لاي من كلماتنا.. كانت الاشد قسوة وكانت الاعنف ظروفا والاعمق قصة لكنها وبفعل كلمات يمكن وصفها انها متقاطعة استطعنا ان نعرف بنودا بسيطة من حياتها حيث انها تبيع اقمشة مستعملة تاخذها من محلات الاقمشة الكبيرة وتصنع منها مساكات طعام وامورا كثيرة لاستعمالات المطبخ والحمامات ويمكن ان تصنع قطعا صغيرة من المفارش في حال توفرت اقمشة ذات نخب اول لتبيعها في كل مناطق المملكة تراها بكل المواقع وعبر بوابات كل البيوت. يعرفها المعظم حيث انها قصة حقيقية من المعاناة ، توفي زوجها منذ سنوات طوال قد لا تعلم هي نفسها كم طولها..عندها عشرة اولاد وعمرها يناهز الثمانين عاما.. اولاد وبنات يساعدونها منذ الصغر بلملمة قطع القماش واعطائها لها لتحولها الى مواد قد يستفاد منها لاغراض البيت والمطبخ. بناتها اليوم يقمن بذات العمل لكن لا يبيع سوى امهن فهي تمنعهن ان يكن بالشوارع من اجل ان يتفرغن لعملهن ودراستهن لانها هي المسؤولة وستواصل كما قالت الى ان ياخذ الله امانته فيها وتكون بذلك قد اتمت رسالتها تجاه الابناء العشرة.
تعشق ابناءها ويعشقون خطواتها ، يقدرون عملها بشكل اسطوري ، لا يتركون صغيرة ولا كبيرة الا ويهتمون بها في امهم لانهم يعلمون جيدا كم عانت وما زالت من اجلهم فقط وصنعت منهم رجالا في مواقع مختلفة بسيطة الكيان لكنها عظيمة الاداء.








5118, Amman 11183, Jordan