يا سبحانَ الخالق! فبعد أن احتلَّت النساءُ المراتب الأولى ومعظم المقاعد في امتحانات الدخول إلى مجلس القضاء، تنبَّه المسؤولُ إلى ضرورة تحديد كوتا للذكور، لا على خلفية أنَّ المجتمع لم ينتخبهم، بل على خلفية امتحانات فنية بحتة. بمعنىً آخر، فإنَّ هذه الكوتا لا تشبه في شيء الكوتا النسائية المعمولَ بها في المجالس البرلمانية والبلدية التي وُجدَت لإزالة التمييز ضدَّ النساء، وهو تمييز طويل وبعيد في التاريخ.
وفي أوَّل فرصة أظهرت فيها النساء تميُّزاً وتفوقاً، واحتللن فيها بعلمهنَّ وخبرتهنَّ المقاعد ذاتها التي كانت حِكراً مطلقاً على الذكور، رأى المسؤول، لا فُضَّ رأيُه ولا بهتَتْ حُجَّتُه، أنَّه من غير اللائق أن يتحول مجلس القضاء من ذكوريٍّ بحتٍ إلى نسائيٍّ محض!
وكان حريّاً به – المسؤول – أن يترك الأمور على طبيعتها، والنتائجَ كما أتت. فلقد عانت المرأة في سلك القضاء من الاستثناء منذ نشوئه حتى عهدٍ قريب، بحيث لم يفكر فيما سبق بوجود كفاءات نسائية تساوي ما لدى الذكور، فما بالك إذ تبزُّها؟ وما الضيرُ أن تحتلَّ النساءُ سلك القضاء برمَّته ما دامت لديهنَّ المعرفة والخبرةُ والعلمُ، وما دامت الشروطُ لدخوله تنطبق عليهن، وما دمنَ قادراتٍ على التنافس وتفوَّقنَ فيه؟ وما الخطر الذي يكمن في أن تتولى المرأة القيادة والإدارة وصنع القرار، ما دامت تحتكم إلى العلم والقانون وهل الجندر مانع طبيعي لأن تكون المرأة محاسبةً أو طبيبةً أو مهندسةً أو كاتبة عدل أو رئيسة لإقليم العقبة أو مديرة للبنك المركزي؟
ليست كوتا الذكور في هذا السياق، سوى عصاً في دولاب تقدُّمِ المرأة، أي تقدم المجتمع، وتفكير متعصِّب لا يعكس فهماً للواقع، ولا ينوي خيراً بالقضاء. وإذا كنا قد تسامحنا مع النساء، وسمحنا لهنَّ بممارسة المحاماة، ومؤخراً بدخول سلك القضاء، فإنَّ طريقاً طويلةً ما تزال أمام قادتنا الذكوريينَ لتتسنّم المرأة رئاسة محكمة، أو وزارة عدل. مثلما أنَّ الطريق طويلة وشاقة أمام النساء ليُسمَحَ لهنَّ أن يمارسن المحاماة في بلدٍ كالسعودية، حيث يُحظرُ عليهن قيادة السيارات في المدن، والجلوس قرب السائق في عربات الأجرة، والخروج بلا حجابٍ في الأسواق، وقياس الملابس في الدكاكين،(لما فيها من فرصٍ للخلوة والتهتك الأخلاقي!) والاختلاط في الوظائف والجامعات. ومع ذلك فإنَّ الماء الراكدة بدأت تتحرَّك، وهاهو الباب سيفتحُ قريباً لدخول المرأة المحاماة، والسماح بالاختلاط في جامعة الملك عبد الله بن عبد العزيز في جدة.
من جهةٍ ثانية، فإنَّ الأوائل في الجامعات لدينا وفي بلدان عربية كثيرة هنَّ من النساء، ومع ذلك فإنَّ من يحظى بالوظائف في القطاعين الحكومي والخاص هم الذكور! أليس ذلك من العجيب الغريب؟ ومع ذلك، فإنَّ المسؤول لم يشعر ولو لمرة واحدة بضرورة تخصيص كوتا للنساء (اللواتي هن المتفوقات)!
نبارك للمتفوقات في امتحانات القضاء، ونأمل للراسبين من الذكور حظاً أوفر عندما لا يكون الجنس (الجندر) هو السبب الأول في الوصول.








5118, Amman 11183, Jordan