منى السعودي النحت والشعر يفتحان فضاء لا نهائيا من الإيحاءات

الرئيسية > المركز الاعلامي > الأخبار > منى السعودي النحت والشعر يفتحان فضاء لا نهائيا من الإيحاءات
Printer Friendly, PDF & Email
image

فنانه تتخذ من صداقة الحجر سفرا إلى اللامرئي وجسدا للشعر

  ما إن تعرّفت في طفولتها المبكرة على فتنة الحجارة المنحوتة والمبعثرة في ساحة المدرج الروماني، والمنسية في محيط بيتها الذي كان لصيق سبيل الحوريات بأقواسه وينابيعه وسط عمّان، ما إن تعرفت على ذلك الفيض بثرائه وتنوعه، حتى أخذ حلمها في أن تصبح نحاتة، يتسع يوماً بعد يوم مع اتساع أفقها في معاينة تفاصيل المشهد المحيط بها، والمرافق لها مشياً على الطريق الترابية، بين البيت والمدرسة.

ومع وقع خطاها على الطريق الترابية ذاتها، التي كانت تحتضن بتعرجاتها ومنسرباتها جبال عمّان، بدأت تتشكل أواصر صداقتها الحميمية مع الأرض والشجر والحجر، لتبدأ معها رحلة المسافات المفتوحة جهة الحلم والتأمل، اللذين سيرفدان، فيما بعد، معطيات تجربتها النحتية الموصولة بمحيطها الناغل بالحركة والتنوع. وهي التجربة ذاتها التي واصلت الفنانة من خلالها مواجهة العالم بروح متحفزة بأدوات البحث والمغامرة والتجريب.

منذ ذلك، وعبر سلسلة من الاستنباطات التدريجية في مجال الرؤية المتبصّرة في محيطها، لم تكفّ الفنانة، منى السعودي المولودة في عمّان العام 1945، والدارسة للنحت في المدرسة العليا للفنون الجميلة بباريس العام 1973، عن معاينة المعطيات غير المرئية التي تُبطنها وتشفّ عنها موادها النحتية، مدفوعة برغبة المتصوف في الكشف عن الجوهر الذي سيمنحها فرادة الحضور والتعبير.

ومع بيروت، محطتها الأولى التي أنهت منها دراستها الثانوية العام 1963، كان أول لقاء لها مع النحت بتعرفها إلى أعمال النحات ميشيل بصبوص، حيث أقامت أول معرض لرسوماتها في مقهى الصحافة، لتبدأ بعد ذلك، منذ العام 1969، ملامح تجربتها بالنمو والتشكل على نحو عفوي كان محط اهتمام العديدين من أصدقائها الفنانين والنقاد والشعراء، الذين واكبوا بواكير تجربتها النحتية؛ مثل خالدة سعيد وسمير صايغ ونزيه خاطر وجوزيف طراب ومها سلطان.

وإذا كانت المنحوتات الرومانية المتناثرة في محيط طفولتها المبكرة، شكّلت المحطات الأولى في التماعة رؤيتها الفنية بمنطلقاتها البصرية والتصورية، التي تسرّبت إلى غرف خاصة في رأسها، مشيّدةً من خلالها إدراكاً حسّياً مبكراً لمكنونات عالم خفي وغير مرئي، فإن لحمة العلاقة بين النحت والشعر التي ستكتشفها لاحقاً، ستشكّل لها سفراً مفتوحاً تجاه اللامرئي، وفضاءً مشْرعاً على عوالم التخيل والتأمل والإيحاء.

فمع شغفها في مراقبة تلك المنحوتات ومعاينة سحر جمالها، إلى تلمس جسد الأرض بانحناءاته وامتداداته والتواءاته، إلى تتبع ما يطفو على سطح سيل عمان من مخلفات يجرها الفيضان، إضافةً إلى سحر انعكاس الأضواء الليلية على سطح الماء، بدأت تتعرّف على حسيّتها الشعريّة في إطار صداقتها مع مؤثثات عالمها المرئي، لتجوب معه عوالم غير مرئية، اتخذت من الشعر جسدها الأكيد والوحيد.

ومع الشعر وآفاقه المفتوحة على الحلم والإيحاء والتأويل، خاضت السعودي أولى تجاربها المشتركة في المزاوجة بين النحت والرسم مع الشاعر الفرنسي ميشيل بوتور، الذي ترجم أدونيس شعره إلى العربية. وتمضي السعودي بعد ذلك في استكناه أواصر العلاقة بين قصائدها ورسوماتها التي جمعتها في ديوانين هما محيط الحلم 1992 ورؤية أولى 1972.

وأخيرا واصلت الفنانة، التي تعتبر الفن بحثاً في الأسرار، تجربتها الرائدة في استلهام الروحية الشعرية ومعاينتها تشكيليا في أعمال معرضها نشيد اعتدال في غاليري جاكاراندا.

استلهمت نحو ثلاث عشرة لوحة من قصيدة نشيد اعتدال للشاعر الفرنسيّ سان- جون بيرس، والتي حمل المعرض عنوان القصيدة ذاتها، بالإضافة إلى أربع لوحات بالحبر الصيني؛ لوحتين مستلهمتين من قصيدتين للشاعر الراحل محمود درويش هما قصيدة الأرض، وشجرة العاشق، وعملين مستلهمين من قصيدة للشاعر أدونيس بعنوان رقيم البتراء، كما ضم المعرض عملين نحتيين، أحدثها بعنوان والشاعر يبقى دائما بيننا أنجزته الفنانة قبل أيام وخصّت به الراحل درويش.

ويعود تعرّف السعودي على القصيدة المعرض نشيد اعتدال، إلى أواسط سبعينيات القرن الماضي، وهي القصيدة التي ترجمها أدونيس، واستلهمت منها أعمالها الجديدة المنفذة بتقنية الطباعة الحريرية.

وتصف الفنانة، التي شكلت باريس محطة بارزة في حياتها الفنية، قصيدة نشيد اعتدال بأنها شاملة وتجريدية، وفيها نظرة مختصرة للحياة. ومن مقاطع القصيدة كما ترجمها أدونيس

كان رعد في ذلك المساء، وعلى الأرض ذات القبور.

 كنت أسمعُ دويّ - هذا الرمد على الإنسان، كان موجزاً، ولم يكن إلا قصفاً.

كان معنا، يا صديقة، وابلُ السماء، وليل الإله كان جوّنا المتقلب.

وفي الأمكنة كلها كان الحبّ يرتقي إلى ينابيعه.

أعرفُ، رأيتُ الحياة تصعد الى ينابيعها، والصاعقة تلمّ أدواتها من المقالع المهجورة، غُبارُ الطلع الأصفر في أشجار الصنوبر يحتشدُ في زوايا الشرفات.

تعاملت الفنانة مع رسومات معرضها الجديد مثلما تتعامل مع العمل النحتي أرسم في هذه المجموعة كما أرسم، وكأن القلم لا يرسم، وإنما يشكّل كتلاً وتهشيرات، وتضيف في حديثها إلى الغد النحت على الحجر يشبه التأليف كما هي الرسوم.

ويأتي تشابه طريقتها في الرسم في أعمال معرضها نشيد اعتدال، مع روحيتها النحت، لتشابه المناخ البصري بين مفردات الفنانة النحتية، وبين تعبيرات القصيدة بترسيماتها الذهنية وصورها الشعرية، مثل التعبيرات التي تشير إلى الأرض والأم والنهر

صوت البشر في البشر، وصوت البرونز في البرونز، وفي مكان من العالم

حيث لم يكن صوتٌ للسماء ولا حارس للعصر،

ولد في العالم طفل لا يعرف أحد سلالته ولا مكانته،

والعبقرية تسقط واثقةً على فصوص جبهةٍ نقية.

أيتها الأرض، أمنا، لا تأبهي لهؤلاء الرّعاع

العصر مفاجئٌ، العصر حاشدٌ، والحياة تجري مجراها.

ينهض فينا نشيد لم يُعرف منبعهُ ولن يكون له مصبّ

في الموت

اعتدال ساعةٍ بين الأرض والإنسان.

بدورنا، نتعرف على تشاكل المعطيين النحتي والشعري أو البصري والذهني عند السعودي في جلّ نصوصها الشعرية، ومنها

سأنحت لكر حبيبين دائما اثنين

الذكر والأنثى الأم الأرض،

والابن الجسد

وشكل يعانق شكلاه حوار صمت

وما يوجد في المحلى يوجد على الأرض

والانسان نبات حلمه.

وتُرجِع السعودي، التي استلهمت الروحية الشعرية في منحوتاتها ورسوماتها من قصائد عدد من الشعراء العرب والعالميين الذين تركوا بصمات واضحة في تاريخ الشعر المعاصر، مثل أدونيس ودرويش وسان- جون بيرس، إضافة إلى نصوصها الشعرية، بسبب التشابه بين الشعر والنحت، باعتبار العبارة الشعرية، كما هي المنحوتة، تفتح فضاءً لانهائياً من الإيحاءات.

وترى الفنانة، التي عكفت منذ العام الماضي، على إنجاز سبع لوحات لتكون هدية لمحمود درويش في عيد ميلاده، لكنها لم تنجز منها سوى لوحتين بسبب رحيل الشاعر، أن على  المرء حتى يكون نحاتناً أن يتحلى بالإيمان الذي يجعله صافياً ونقياً تجاه عمله، رائية أن النحت والرسم والشعر جميعها تتوالد من بعضها بعضا فالنحت تجسيد للسر والغموض، كأنه جسد للشعر والروح، وهو سفر في اللامرئي.

خمسة وأربعون عاماً، مرّت على الفنانة منذ أن اختارت طريقها في عالم النحت حين اخترتُ أنْ أكون نحاتة، اخترتُ طريقة في الحياة، فكانت أمومة الأرض أولى منحوتاتها التي تشكّلت وولدت في محترف الفنان كولاماريني بباريس العام 1965، وتصف تلك المنحوتة بأنها الأم الحقيقية لكل المنحوتات التي أنجزتها الفنانة طوال مسيرتها الفنية، حيث اكتسبت أعمالها مسحتها الخاصة في الحضور والتعبير، من خلال اختزال الأشكال، واستدارتها، وتمحور تكويناتها حول مركز العمل ثم امتداده نحو الأطراف، وكذلك تجريد الجسم البشري وإحالته إلى حضور رمزي.

وحين اعتبر الروائي والناقد العربي جبرا إبراهيم جبرا أن الفنانة تنتمي إلى سلالة الأنباط القدامى الذين مثلها، طوعوا الصخر لعشقهم، وهي تكاد تكون متفردة بين النحاتين العرب اليوم بسبب تشبثها وتحكّمها بهذا الحجر، بأنواعه كلها، فينصاع لعشقها وإرادتها، لتكونه كل يوم في تكوينات مهما تجرّدت شكلاً، فإنها تفيض من امتلاء مداراتها، متحركة أبدا وساكنة في الوقت ذاته سكون عين العاصفة، كان يدرك مدى الطاقة التعبيرية الكامنة في مادة الحجر، تحديداً حين يتم الكشف عنها بعين الرائي المتبصّر بخفاياه الحسيّة والتشكيلية.

ويواصل جبرا، معاينا ما هو مشتر بين تجربتها الشعرية والنحتية في تقديمه لديوانها الثاني محيط الحلم، ومبيناً أن قصائدها تأتي ضربا من البرهان على مصداقية رؤيتها النحتية، غير أن قصائدها في الوقت نفسه إنما هي وثيقتها اللفظية تجاه تجربتها الآنية المضطربة دائما بالحلم الذي لا يبارحها، فهي إن تكتب كنحاتة، يسكنها همّ تحريك الحجر وإشاعة الحس والنبض في كل جزء منه، فإنها تكتب أيضا كشاعرة يسكنها همّ الكلمة التي تجوهر ذلك الحب القصي في الدواخل، الذي يحاول أن يدانيه تعبير ما تنحته من هذا الحجر....

تتوفر أعمال السعودي، على مفردات خاصة بتكويناتها النحتية وتشكيلاتها البصرية على السطح التصويري للوحة؛ تقاطع الخطوط  الدائرية مع الخطوط المستقيمة يشكّل إحدى مفرداتها في النحت والرسم، وتُلخّص السعودي ذلك التقاطع، سواء كان نحتاً أم رسماً بـالتكوين، الذي يرجع إلى مبدأ الكينونة وصيرورتها، التي هي بمثابة حركة داخلية مستمرة في النمو والتشكّل.

وعندما تعتبر الفنانة، التي تُشْبه سيرة حياتها بسياق منحوتاتها ونسقها، أن لكل منحوتة قصة حية في مخزون ذاكرتها البصرية والذهنية، بدءاً من العثور عليها كمادة خام، وانتهاءً بما ستصير عليه كعمل فني، فإنها تدرك أن أسرار تحويل الحجر من هيئته الأولى التي تحتضنها الطبيعة، إلى هيئة أخرى تنتقل بها من واقعه (الغفل) إلى واقع جديد، لا يتم إلا من خلال محاورته وإدراجه ضمن ارتسامات بصرية جديدة.

بمعنى آخر، تقوم الفنانة، التي تَعتبِر في إحدى شهاداتها أن كون المرء فنانا في هذا العصر، هو أن يكون ضميرا للتاريخ الإنساني، وأن يواصل المسيرة الانسانية المبدعة، والتي أوجدت على الأرض كل الفنون وكل العلوم وكل الآلهة، تقوم بسلخ مواد الحجر الأولية من واقعها المبهم في الطبيعة، لتضعها في سياق تكوين آخر أكثر فرادة وتميزا.

ومهما تآلف السياق في أعمال السعودي مع مفرداته الدالة عليه، يبقى متحفّزاً تجاه التحولات التي تتوالد من بعضها بعضا. وأحيانا ما تكون تلك التحولات المصاحبة لأعمالها، مقدمة لاكتشاف أعمال جديدة تنطلق من سابقاتها، ضمن خصوصية الحوار الذي تنشئه الفنانة مع مادة الحجر في صورتها الأولى، وبعد أن تصبح عملاً فنياً يمور بالحيوية، معلناً عن حضوره بأكثر من طريقة وأكثر من إشارة.

وفي المقابل، لا يغدو الرسم بالحبر الصيني والخط بشكل أساسي في أعمال الفنانة، التي  تعلمت التجسيد لتدخل في الغيب، وسكنت بين مدارات الحلم ومدارات الفعل، لا يغدو كونه امتداداً للأشكال النحتية التي تتشابه في روحيتها مع رسوماتها وتخطيطاتها، من دون أن تخفي انحيازها إلى ما هو مجسّد. حيث تصنف النحت إلى جانب الأشغال الشاقة الجميلة كائن حي، فيما الرسم على الورق هو خلقٌ على الورق فقط.

وحين تتوقف الفنانة، التي أقامت معرضا في الرباط العام 2000 لمجموعة رسوماتها بالأكريليك، عن النحت وتلجأ إلى الرسم، فإنها لا تلجا إليه إلا بوصفه المنطقة الأكثر حميمية لتفريغ فائض السرد، أو مجالاً متاحاً أكثر من النحت لمعاينة الشحنة التعبيرية التي قد تجد ملاذها تاليا في العمل النحتي.

رسمت السعودي، التي عادة ما تكون معارضها مشتملة على التشكيل والنحت، قصائد عديدة لأدونيس من ضمنها ديوانه مفرد بصيغة الجمع الصادر العام 1975، ومجموعة رقيم البتراء، كما أنجزت العديد من الرسومات والتخطيطات التي تخصّ قصائد عدد من الشعراء؛ مثل راشد حسين، ومعين بسيسو، ومحمود درويش. رائية أن العمل النحتي تجسيد للشعر وامتداد له.

ومن أبرز إنجازاتها منحوتة النهر، التي نفذتها من الجرانيت الأزرق العام 1983 وتنتصب حالياً في وادي صقرة بعمّان، وهي عبارة عن دائرة قطرها نحو المتر ونصف المتر، وتقاطع معها أدونيس في جملته الشعرية ثَنيةٌ، تجويفٌ، تقوّسٌ، خطٌّ، دائرةٌ، ثقبٌ

موسيقى،

والنشيدُ الحجر.

بدورنا، نفترب في وصف تلك المنحوتة من دائرة الوحدة والتلاقي، حين تنحني الدائرة في الفضاء على تعرّجات النهر، وتطوف مع تكوينه كتلةً في الفراغ. وهي دائرة انحناء وتعرج واستقامة؛ حيث تدفع ثلاث حركات بترددها البصري، إيقاع النهر إلى الحدود القصوى لنشوة التجريد.

تعرّجٌ يتوسط دائرة الكمال؛ فيكون النهر.

ومجزوءاتٌ تجرحُ أطراف الدائرة؛ فيكون النفاذ.

ويكون صفير الريح حواراً في تجاويف الحجر.

حجرٌ بريٌّ، طوَّعهُ إزميل النحات، فتموّج في الماء جسداً يشفُّ عن شهوته الأولى. حجرٌ، نهرٌ سادرٌ في ظل الماء ينثرُ أبجدية الخصب ويسردُ سيرة العشق في مَكْمنٍ لا ينام.

ومن منحوتاتها المعروفة ذات الأحجام الكبيرة التي تتوزع على كل من عمان وباريس وبيروت، هندسة الروح التي أنجزتها العام 1987 من الرخام بارتفاع ثلاثة أمتار، وكانت هدية الأردن لمعهد العالم العربي في باريس، وأيضاً منحوتة دائرة إربد في جامعة العلوم والتكنولوجيا.

وحين تتقصّى السعودي، التي منحت جائزة الدولة التقديرية في الفنون العام 1993، والمقيمة الآن في بيروت، في منجزها النحتي هوية مرئيات العالم، لا تفعل ذلك من أجل أن تسرد ما هو مرئي، بل لتضعه في سياق المواجهة الحادة والنشطة مع العالم ومكنوناته؛ مواجهة الظاهرة وإعادة إنتاجها وتجاوزها عبر منجزٍ متحفزٍ دوماً إلى بلوغ ذروة التعبير والتكوين. وهي المواجهة التي جعلت منها رائدة مجددة في النحت العربي، وحاضرة على الدوام في مناخاته المعاصرة.