شهلا الكيالي: ابنة الأرض وأيقونة الشعر الخالدة

الرئيسية > المركز الاعلامي > الأخبار > شهلا الكيالي: ابنة الأرض وأيقونة الشعر الخالدة
Printer Friendly, PDF & Email

 شهلا الكيالي أيقونة اللد، النابتة ليس ببعيد عن كتف البحر الأبيض، وكأن الذاكرة عندما تفتح بواباتها، ينسكب الوطن المتواري خلف الأسلاك الشائكة، وحقول الألغام والعسكر المدججين بسبل الموت، ينسكب مثل لحظة متناهية بالطفولة، فيتسطح الزمن وتتعانق الأمكنة، هكذا كانت شهلا الكيالي، أعطت لوطنها المغتصب ولم تستبق شيئاً، وعاشت في بلدها كزيتونة طيبة، مرابطة بكل انتماء لوطن الحشد والرباط، فلم تملك غير الحب والشعر، ومساحات من الكتابة الأدبية المتعددة، ولعلها حاولت أن توجد مساحات موازية لمدينتها اللد، فتمتد المسافات وتتوحد في أعماق هذه النفس المجبولة حباً وعطاءً، وذاكرة تمسك بما ضاع حياً لا ينسى أبد الدهر.
كانت شهلا الكيالي، على موعد مع الحياة في صيف عام 1946م، حيث الأحداث التي ستعصف بالمنطقة، تتأهب للانقضاض قلب الحلم العربي، ومن خلال اقتناص فلسطين في غفلة لا تغتفر، فتفجر جرح لم يندمل أبداً، لقد جاءت شهلا إلى الحياة محاطة بهالة من الحزن والألم، فلقد تعرضت عائلتها لميتات متلاحقة، كما أنها عاشت فقد شقيقاتها منذ مولدها، فصارت مكونات المقبرة القريبة من بيتها في اللد تتعربش طفولتها، وتلاحق سني عمرها حتى النهاية، فلقد ارتسم مشهد استشهاد القائد عبد القادر الحسيني، المضمخ بالورد ودموع النساء في مخيلتها، ولم يتركها لحظة، وكانت تجمعها به صلة قربى ما، لكنه كان قريب كل المهجرين واللاجئين، حتى تحول إلى رمز وطني تعاظم تأثيره مع الأيام.
شهدت طفولتها على همجية هجمات عصابات الهجانا الصهيونية على الفلاحين في محيط اللد، وعايشت كل ما يصعب على طفلة في مثل عمرها أن تدرك مدى تأثيره في شكل حياة شعب كامل، وأن تلك الصور ستنهش ذاكرتها كلما تقدم بها العمر، وسقطت اللد بيد المعتدين، كانت الجثث والدماء تتسلل إلى وجدان هذه الطفلة من خلال عينيها وما تلمسه يديها، فأجبرت العائلة على ترك البيت والرحيل تحت تهديد القتل، كما حدث بديرياسين، وأقفلت شهلا غرفتها ولم تأخذ من أغراضها الكثير، فلقد كانت على وعد العودة القريبة إلى غرفتها وبيتها وحارتها، الوعد الذي عاشت من أجله بقية عمرها، وغادرت اللد مع أهلها لا يلون على شيء، كانت الرحلة كابوسية، والمخاطر تفتك بهم، فوصلوا رام الله بما يشبه المعجزة، وبعد أيام من التعب والجوع، والحزن فقدان الرجال والوطن، شدوا الرحال إلى مدينة عمان عاصمة إمارة شرق الأردن.
كان المسجد الحسيني أول معلم فتحت شهلا عينيها عليه في عمان، حيث حلوا ضيوفاً على قريب لهم، يسكن بالقرب من المسجد وسط عمان الأربعينات، لم يكن البيت مهيأ لهذا العدد من الضيوف، فاستجابوا لدعوة أحد أصدقاء مضيفهم، وانتقلوا إلى مدينة الزرقاء، وأقاموا في بيت كبير تسكنه عائلات نازحة، وبدأت والدتها ببيع مصاغها لتنفق على عائلتها، فلا وجود لمعيل فالشباب استشهدوا، أو أخذتهم المعتقلات، والدها رجل كبير ومريض، وقد تسللت شهلا وهي في سن السادسة من عمرها إلى مدرسة الهاشمية الأهلية ، لتلقي قصيدة عن تحرير فلسطين، بشكل فاجأ المعلمين، مما دفع مدير المدرسة لقبولها في الصف الأول مجاناً، ودفعها للمشاركة في الحفل الذي تقيمه المدرسة، وكان ذلك في عام 1949م، لقد حضرت الملكة مصباح والدة الملك طلال الحفل المخصص للبنات، وكان إلقاؤها للقصيدة حاراً وواثقاً، فيه شجن الطفولة ووجع القضية وقسوة الرحيل، فكان استحوذت على إعجاب، وأثارت دموع الحاضرين بمن فيهم الملكة مصباح، وفي اليوم التالي، طلبتها الملكة إلى قصر رغدان، وأرسلت سيارة إلى الزرقاء لإحضارها للقصر، وكان لقاء الطفلة شهلا بالملكة علامة فارقة في حياتها، ووصل إعجاب الملكة بها أن عرضت عليها العيش في القصر، لكن الطفلة لم تستطع الابتعاد عن أهلها، وبالأخص أمها وأخوتها.
أصبحت هذه الطفلة نجمة الزرقاء، فكلما مشت في شوارعها حياها رجال الجيش، وأهالي الزرقاء من نساء ورجال، وكانت تنشد أينما حلت نشيد تحرير فلسطين، فحملت على طفولتها مهمة الدفاع عن فلسطين منذ الخطوة الأولى في درب الترحال الطويل، وقد تفتحت ملكة الكتابة منذ سنواتها الأولى في المدرسة، وكانت تتميز بمقدرة فريدة في كتابة مواضيع الإنشاء باللغة العربية، وقد واجهت ظروف المخيم الذي أتقلوا إليه بعد سنتين من السكن لدى مضيفهم الشهم، وحافظت على تميزها في الدراسة، على الرغم من الأعمال التي تقوم بها لمساعدة عائلتها في كدها للحصول على لقمة العيش، وقد شجعها إبراهيم قطان الذي زار المدرسة للكتابة ضمن الحركة الطلابية الثقافية في الصحف، فبدأت بالكتابة تحت أسم مستعار(ابنة الشرق)، ثم سمح لها والدها الكتابة باسمها الحقيقي، فكان مصدر فخره واعتزازه.
وتمضى الأيام بقسوتها، فتجتاز شهلا الكيالي امتحان الشهادة الثانوية، فانطلقت إلى مرحلة جديدة من الحياة العملية، التي بدأتها بالفعل منذ طفولتها المبكرة، فعينت معلمة في مدارس وكالة الغوث الدولية في مدينة الزرقاء، وكان ذلك عام 1959م، مما غير كثيراً من واقعها المعيشي وسط ظروف حياتية عانى منها الجميع، وفي عام 1961م، تمكنت من الحصول على شهادة التربية العملية والنظرية، وحصلت بذلك على زيادة إضافية على مرتبها الشهري، بعد عام واحد تزوجت من المدرس وليد جابر، ليكون رفيق عمرها ومسيرتها، وكان لنكسة عام 1967م صداها المجلجل في قلبها المفطور ألماً، ونشطت في كتابة الشعر وتأليف المسرحيات الوطنية، وقد رددت بعض الإذاعات والتلفزيونات قصائدها، وانتشر أسمها على امتداد الرقعة الواسعة، وكانت تقيم ومع زوجها في مدينة اربد، حتى نقل الزوج إلى كلية تدريب عمان التابعة لوكالة الغوث، وكانت اربد وما حولها تتعرض لقصف شبه يومي من قبل طائرات العدو، وتفرق شمل العائلة، فلم يكن نقلها إلى عمان سهلاً لتلحق بزوجها وأسرتها، لكن إصرارها نجح في أن تنقل إلى مدرسة مخيم الزرقاء من جديد، وفي العام 1969م أصبحت مديرة المدرسة، وقد أنجبت طفلتها الخامسة، وبعد عام أنجبت مولودها الذكر (خالد) بعد انتظار وصبر.
وتمكنت شهلا الكيالي من رؤية بيتها القديم في اللد، وفجعت بالمستوطنين اليهود وقد احتلوا البيت، واتخذوه سكناً، بعد ذلك انتسبت إلى جامعة بيروت العربية، وفي السنة الرابعة أنجبت مولودها الذكر الثاني (نضال)، ولم تمنعها الظروف الصعبة من مواصلة كتابة الشعر والسير في طريق الإبداع الأدبي، وبدعم من الشاعر الكبير، خرجت مجموعتها الشعرية الأولى إلى النور عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر عام 1985م، وقد اشتد عليها مرض الربو، مما اضطرها للسفر إل تشيكوسلوفاكيا للعلاج، وفي العام 1986م أصيبت بسرطان الثدي وأجريت لها عملية جراحية في مستشفى الشميساني، وقد واجهت المرض بصبر وقوة عزيمة واضحين، وأرسلت لاستكمال العلاج في يوغسلافيا، عرفت بنشاطاتها الوطنية والقومية، وكانت حاضرة في كل فعل قومي مقاوم للظلم والعدوان، والعام 2000م تقاعدت شهلا الكيالي بعد خدمة طويلة في مدارس وكالة الغوث الدولية، ونشط في مجال الشعر والمشاركة في المهرجانات الشعرية المحلية والعربية، وقد كرمها الرئيس العراقي صدام حسين عام 2002م، بعيد مهرجان المربد الشعري، وأصدرت عدة دواوين شعرية، ومسرحيات وكتابات نثرية، وتركت أعملاً مخطوطة تنتظر النشر، وقد أصيبت في آخر أيامها بسرطان الثدي، فلم ينل من عزيمتها، ونحن مازلنا نستذكر ابنة اللد، وكأنها مازال تغمرنا بحضورها فرحاً وشعراً، فكانت منذ صغرها رمزاً للقضية الأم، ومثالاً للمواطنة الصادقة النبيلة .