بعض العائلات العربية المقيمة تحديدا في منطقة جغرافيا بلاد الشام تبدو في تشتتها الجميل داخل هذه الجغرافيا التي ظلت جغرافيا مقدسة عبر التاريخ، وكأنها تود من خلال عبورها التاريخي لهذه الجغرافيا إن تتطابق فعليا مع هذه الجغرافيا وتقسيماتها الجميلة، تلك التقسيمات التي لاتخضع في جماليتها إلى حدية الجغرافيا السياسية التي ولدتها اتفاقية سايكس بيكو، بل تخضع إلى ذلك التنوع الجميل في الطبوغرافليا وتنوع اللهجات.
هذا هو المولد الرئيس لعائلة الشاعرة سلمى الخضراء الجيوسي، التي ولدت في الضفة الشرقية لنهر الأردن، في مدينة ‘’السلط’’الأردنية، من أب فلسطيني وأم لبنانية، وأمضت طفولتها وشبابها في كلية شميث الألمانية بالقدس، ثم درست الأدبين العربي والانجليزي في الجامعة الأمريكية في بيروت. وتزوجت من دبلوماسي أردني.
أن هذا التوزيع الجغرافي الذي شكل خامة الوعي الأولي لشخصية سلمى الخضراء الجيوسي قد منحها عمق المواطنة الحضارية لقاطني بلاد الشام. فأن يكون مسقط رأس الجيوسي هو جبال السلط فهذا يعني بأن هذه الجبال قد منحت روحها في وقت مبكر، طعم تنشق الهواء الطلق والنقي، وأنها كانت في طفولتها المبكرة قادرة على أن ترى جبال فلسطين بالعين المجردة من كل شيء إلا من البراءة، هذه الجبال التي تظل تقابل جبال السلط برفاقية لا يعرفها إلا من اعتلى قمم الجبال وأطل على الجهات الأربع المحيطة بها.
وكان على الطفلة الجيوسي أن ترحل في وقت مبكر من طفولتها إلى عكا لتقضي بعض سنوات طفولتها فيها، وأن تمتلك في عكا قدرة التحديق في المدى البحري من فوق تلك القلعة التي ظلت عصية على الغزاة، ومن شموخ عكا هبطت الجيوسي بطفولتها النضرة الفتية نحو القدس كي تكبر الفتاة وتدرس الثانوية في كلية - شميت- الألمانية في القدس.
ولأن جغرافيا بلاد الشام تظل تطل على سلمى الخضراء الجيوسي بمغنطتها وجاذبيتها الخاصة، فقد استجابت للنداء الغامض الذي تظل تطلقه بيروت لعشاق المعرفة، وعشاق التفتحات الثقافية الجميلة والمدهشة. ولهذا كان على الجيوسي في وقت مبكر أن تعود إلى عمان، وتعبر إلى دمشق، ومن ثم إلى بيروت كي تدرس في الجامعة الأمريكية الأدبين العربي والانجليزي. وأن تحصل لاحقا على درجة الدكتوراة في الأدب العربي من جامعة لندن.
وقد كان التعميد الحقيقي للروح الإبداعية الوثابة عند الجيوسي في بيروت ستينيات القرن الفائت. بيروت التنظيمات السياسية الواعدة بحلم تحقيق الدولة العربية الناهضة بالفكر والثقافة والتنظير السياسي المعافى، وبيروت الحاضنة للمنفيين السياسيين العرب، وبيروت الصحافة النجيبة والمتطورة، وأخيرا بيروت الشعر. شعر يوسف الخال وأدونيس والسياب والماغوط ومجلة شعر. وقد كان للشاعرة سلمى الخضراء الجيوسي حضورها المبكر وسط هذا التخلق الشعري الجديد في الساحة الثقافية العربية. وفي هذه المرحلة أصدرت الجيوسي مجموعتها الشعرية الأولى ‘’ العودة من النبع الحالم’’ العام .1960
لكن القفزة الحضارية الأهم في حياة سلمى الخضراء الجيوسي هي وعيها المبكر بدور الترجمة في إذكاء التواصل الحضاري بين الأمم. وربما من هنا تجيء جرأتها في ترجمة عدد من الكتب عن الانجليزية في مطلع ستينيات القرن الفائت، حين ترجمت كتاب لويز بوغان ‘’انجازات الشعر الأمريكي في نصف قرن’’ 1960 وكتاب رالف بارتون باري ‘’إنسانية الإنسان’’ 1961 وكتاب آرشيبالد ماكليش ‘’الشعر والتجربة’’,1962 والجزءين الأولين من رباعية الإسكندرية للورانس داريل ‘’جوستين’’ و’’بالتازار’’.
وفي رحيلها الجغرافي الدائم في عواصم ومدن العالم أدركت الفجيعة التي تمس الأدب العربي في أهم صفاته التواصلية مع العالم وذلك حين لاحظت بأن الأدب العربي ليس مقروءا على مستوى العالم.
ومن هنا جاءت خطوتها الحضارية في ترك التعليم الجامعي، لتؤسس بروكا ‘’مشروع ترجمة الآداب العربية’’، وقد حررت الجيوسي ضمن هذا المشروع أكثر من ثلاثين عملا من أعمال ‘’بروتا’’، ومن بين هذه الأعمال خمس موسوعات ضخمة للأدب العربي في الشعر القصة والرواية والمسرح.
إنّ الفعل الحضاري الذي أقدمت عليه الشاعرة والمترجمة سلمى الخضراء الجيوسي في مشروع ترجمة الأدب العربي إلى اللغة الانجليزية، هو ما يجعلنا نقول بأن بعض المثقفين والكتاب العرب هم بحق مؤسسة تمشي على أرجل وقد كانت الجيوسي هي هذه المؤسسة.
الجيوسي التي كان يمكن لها وهي زوجة لدبلوماسي أردني أن تكتفي بان ترفل بعافية الزوجات المقيمات في ظل صاحب الدار. لكن سلمى الأنثى الجامحة، أنثى لبنان والأردن وسوريا وفلسطين، أكدت أنها أنثى بلاد الشام القادرة على أن تذهب بالحبر العربي نحو لغة أخرى هي اللغة الانجليزية. وقد كان لها ذلك








5118, Amman 11183, Jordan