من زمان (21)... سيرة جيل يروي صفحات غابت عن التأريخ

الرئيسية > المركز الاعلامي > الأخبار > من زمان (21)... سيرة جيل يروي صفحات غابت عن التأريخ
Printer Friendly, PDF & Email
image

مسرة عمار (أم سمير) .. أخي تعلم عزف العود.. وكسره عندما عزفت عليه 
 هذه الصفحة بيت ضيافة أردني لخزائن الخير والرضى ..
هم الذين انعم الله عليهم بطول العمر المؤثث بالذاكرة الشابة. لديهم التجربة والحكمة والرضى، ما تفيض به نفوسهم فيغدقونه على الأجيال الجديدة، وفاءً للوطن واحتسابا للألفة الاجتماعية وشحنا للعزيمة في مستجدات حياة سريعة لا ترحم.
من باب الاحترام الكثير والثقة العالية، كانوا يسمونهم ''القرامي'' وهي الجذور العميقة والسيقان الصلبة للأشجار الوارفة. نُقبّل أيديهم ورؤوسهم وفاءً لهم وانتظاراً لما يقولونه من حكمة أو يستدعونه من ذكريات وقصص، وامتثالا لما يحرصون عليه من صلة الرحم وكافة خصال الخير التي تحتاج الأجيال الجديدة من يُذكّرهم بها.
''مِنْ زمان'' بيت ضيافة ''الرأي'' الذي نلتقي فيه هذا الجيل الأثير وهو يعيد على مسامعنا بعضا من صفحات تاريخ العزّ المدوّن في الذاكرة الوطنية.

 

ملك يوسف التل - ذكرياتها ملونة في بلاد الشام. عاشتها مسرة عمار '' أم سمير'' حيث ولدت في سورية عام 1930 فعاشت فيها أجمل مراحل طفولتها بهدوء كبر معها، وبلباقة وحب غمر وجدانها فسعدت وأسعدت من حولها. بالهمس كان حوارنا فلا تكاد تسمع صوتها حتى تكرر جملتها مرتين وثلاث.. في الثمانين من عمرها وما زال الحياء يسكنها بحساسية صبية في الثامنة عشرة.
رغم صغر سنها عندما تزوجت إلا انها استمتعت بكل مراحل حياتها وأكثرها متعة عندما انجبت ابنها سمير فكانت فرحة ولا أحلى وهي تحمل مولودها البكر بين يديها تدلله وهي تدندن في سريره حتى ينام لتصحو على صوته جائعا أو ممغوصا أو مبللا كي تأخذ دورها كطفلة في دور أم تهزه بين ذراعيها بمتعة حتى يغفو لتعاود الكرة مرتين وثلاث أوأربع بين كل ساعة واخرى غير مصدقة ان ما بين يدي الطفلة طفل آدمي لا دمية من معجون أو قماش.

 يقال الغربة مرة فهل ذقت طعمها عندما ودعت أهلك في سن مبكرة؟

نعم .. كانت صعبة جدا عليّ . كنت أشتاق لأهلي .. أمي،أبي،أخوتي حتى ''أرض الديار'' وأحواض النعناع وشجرة الليمون والتفاح ورائحة الياسمين التي كانت تفوح رائحتها في كل ركن من أركان بيتنا لم تفارق مخيلتي . كنت أبكي ليلا ونهارا رغم حسن معاملة زوجي ودلال أهله لي إلا ان الشوق كان يسكنني حتى بدأت أتعود على كل شيء.

 هل كنت مدركة في مثل سنك قدرتك على تحمل مسؤولية زوج وأبناء وحماة وغربة؟

لم تكن الأمور سهلة ،هذا ما أقوله بعد مرور 65عاما على زواجي إلا أنها في تلك الأثناء لم تكن صعبة فالأشياء كانت تسير على السبحانية والتساهيل . كل شيء كان طبيعيا وممكنا وكنا مبسوطين مرتاحين بما كنا عليه ..هكذا كانت الحال بالنسبة للجميع والفروقات الفردية كانت نادرة حتى انها لم تطلنا.

 لنبدأ من طفولتك.. حدثينا ما تختزنه ذاكرتك أيام زمان؟

طفولتي كانت رائعة.. أحببتها وعشتها بكل استحقاقاتها مع والديّ وأشقائي وزميلاتي في المدرسة بكل براءة وعفوية وفرح. كل شيء كان طبيعيا لم أجد أنني غير زميلاتي في المدرسة أو بنات الجيران في الحي، كنا نتشابه في كل شيء وفي كل المناسبات . نفرح لقدوم العيد ونستعد له قبل موعده بأسابيع مثلما نفرح بالفستان الجديد والحذاء والشبرة وطلاء المناكير، كنا نضع ملابسنا الجديدة تحت الوسادة ننتظر العيد والمعايدة.. سعداء كنا لا شيء ينغص علينا فرحنا وكانت أيامنا أكثر واقعية وتحمل مسؤولية من جيل اليوم.

 هل تعلمت في الكتاتيب؟

لا.. تعلمت في المدرسة حتى الصف الخامس الابتدائي، وبعد ذلك أخرجوني أهلي، حيث كانوا في السابق يعلمون الفتاة لهذا السن فقط حتى لا تبقى تخرج من البيت كثيراً، وجيلنا كان محظوظا انه اضافة لما يتعلمه من مواد في اللغة العربية والتاريخ والحساب اننا ايضا تعلمنا قراءة القرآن الكريم وحفظناه.

 في المدرسة،ما الألعاب التي كانت تمارس والأحاديث التي كانت تدور بينكن؟

كنا نلعب نط الحبل والعاب بسيطة مثل ''الغماية'' و ''الحجلة'' و '' الإكس'' هذا ما كان يشغل تفكيرنا مَنْ غلبت مَنْ ؟ .لم يكن لدينا شيء أبعد من مواضيع الدراسة والعلامات كما ولم يخلوا حديثنا البريء عن حبنا لمعلمة أكثر من غيرها لإسلوبها ومعاملتها لنا حتى ملابسها كنا نتحدث عنها ان كانت ترتدي ملابس جميلة وكم مرة تبدل فساتينها في الأسبوع.

 من تذكرين من معلماتك في المدرسة؟

أتذكر '' مس'' سكينة وقد كانت ظالمة، كانت تضربنا كثيراً بالعصا وتصرخ بوجهنا دائما، لم تكن تضحك كانت قاسية جدا.

 هل كنت من الطالبات المتميزات في صفك وهل كنت شقية؟

نعم، كنت مجتهدة جداً في المدرسة، وذكية ،لكنني لم أكن شقية أبدا كنت هادئة وقليلة الحركة ولم أكن مشاغبة أبدا ولا حتى زميلاتي أغلبهن كنّ يشبهنني أو هكذا كانت صفات جيلنا تقريبا.

 هل كان يهتم والدك بتعليم الفتاة؟

أكثر ما كان يهم والدي أن تحفظ الفتاة القرآن، وعندما حفظته تم عمل حفل لي وللطالبات اللواتي حفظنه وكان والدي مسرورا جدا وقد قبلني وهداني مصحفا ما زلت أحتفظ به حتى الآن.

 متى لبست غطاء الرأس قبل الزواج أم بعده؟

قبل الزواج عندما كنت في بيت أهلي كنت أضع (الملايه) علما انني في المدرسة لم اكن ألبس ما يغطي رأسي لأنني كنت صغيرة السن وعندما جئت إلى عمان وضعت (الإشارب) فالبنات في الشام جميعهن في الماضي كنّ يضعن (الملايه).

 هل كنت مهيئة للزواج خاصة ان والدتك تزوجت في سن 11عاما وكان والدك في ال 18 من عمره؟

لا، لم أكن مهيئة ولم أكن أعرف أي شيء من طهي الطعام أو ترتيب البيت وغير ذلك، لم اتعلم ووالدتي لم تكن تطلب منا المساعدة ،كانت تقوم بكل اعمال البيت وتطلب منا فقط ان نهتم بدراستنا وعندما تزوجت كانت توصيني كثيراً وقد علمتني أشياء لا بد من معرفتها كفتاة سيصبح لها بيت وأبناء لكنني كنت خائفة من الغربة وهي المرة الأولى التي أخرج بها من الشام.. كانت أمي تطمئنني بأنني سأذهب إلى بيت سلفتي وهي التي ستقوم بتعليمي أشياء كثيرة أيضا حيث انني لم اكن أعرف عمل أبسط الأمور باستثناء سقي حديقة البيت لأنني كنت أحب اللعب بالماء. كما وأذكر ان شقيقي قام بكتابة ورقة لي حول كيفية طهي الوجبات اليومية وكنت أقوم بالطهي وكان طبخي جيداً ولم ينتقده زوجي أبداً، حيث كنت أقوم بعمل كل ما هو مكتوب بالقائمة التي كتبها لي أخي.

 هل كان من بين قائمة الطعام ''المنسف''؟

لا، وأنا في الشام لم أسمع بالمنسف وبعد أن رزقني الله بأكثر من ابن عرفت المنسف والمسخن.

 كيف تعرفت على زوجك؟

عن طريق ابنة عمي حيث ان زوجها وأهل زوجي أقارب وعندما سألوهم بأنهم يريدون فتاة مثل زوجة ابنهم اخبرتهم عني ابنة عمي فجاؤوا أهله الى سورية وأعجبتهم وصار النصيب.

 رأيت زوجك لأول مرة يوم زفافكما..هل فاجأك شكله..هل اعجبك..هل كان وسيما أم غير متوقع؟

لم نكن نهتم لمثل هذه الأمور كنت صغيرة عندما تزوجت في ال 15 من عمري وكان زوجي في 35 من عمره وقد تستغربين انني انسجمت معه رغم فارق السن الذي لم أعره انتباها لأننا في ذاك الزمن كما قلت لم نكن نفكر بفروقات السن أو بالرجل الوسيم وما شابه وان كل ما تعلمناه في مدرسة الأهل ان الزوج مقدس ورضاه وطاعته أمران هامان وحقا انني اتحدى فتاة هذا العصر إن كانت تستطيع ان تعيش او تنسجم مع زوج يكبرها بأكثر من عشرين عاما وهي سعيدة ومرتاحة كما كنت مع زوجي ''جمال نورس'' حتى توفاه الله قبل خمس سنوات .

 كم كان المؤجل والمقدم هل تذكرين.. وعلى من كانت مصاريف الخطوبة؟

المقدم كان 30 ليرة ذهب، ولا أذكر المؤجل. وتكاليف الحفل كانت على العريس من خطوبة وزفاف وكل احتياجات العروس وتجهيزها .

 أين تم الفرح؟

في الشام في بيت أهلي تم عمل الحفلة ، وكان عرسا جميلا جدا كانت النساء لوحدهن والرجال لوحدهم وكانت حفلة كبيرة حيث صمدت على (لوج) عمل خصيصا للمناسبة ومن حوله الورود والزينة والشموع ولبست الفستان الأبيض وعملت شعري في الصالون كما ووضعت المكياج والمناكير وقمت بتغيير من 3-4 فساتين في وقت الحفلة وكانت ملونة وزاهية وكلما كنت استبدل فستانا كنت ارقص به قبل جلوسي على اللوج وكانت الصبايا من قريبات وصديقات واهل العريس حولي ورقصنا سويا. ومن ثم ذهبت الى القدس وبعد سنة جئنا إلى الأردن وكنت حاملا بابني سمير.

 الغربة أخافتك ماذا قال لك زوجك ليطمئنك؟

أكد لي انه سيعتني بي وسأكون سعيدة معه.

 هل كنت سعيدة حقا؟

نعم كان يحبني ويدللني ويلبي طلباتي ويحضر لي الهدايا .كانت معاملته مريحة ليس فقط في بداية زواجنا وانما ظل هكذا حتى توفاه الله لم اشعر يوم انه آذاني أو اسمعني كلمة تغضبني كان مهذبا جدا ولبقا وخلوقا وحسن المعشر.

 ما الذي أخذتيه معك عندما تزوجت وخرجت من بيت أهلك؟

اذا كنت تقصدين ما تأخذه العروس لبيت زوجها من جهاز فقد أخذت معي ملابسي التي جهزتها من فساتين وملابس نوم وما شابه كما أخذت سجادة وفرشات ولحف ومخدات وشراشف فهكذا كانت عادات أهل الشام.وان كنت تقصدين ما حملته في عقلي وقلبي فقد حملت ما أوصتني به والدتي من طاعة زوجي ورعايته والرضى بكل ما يقدمه لي بشكر وامتنان .. حملت أخلاقي وتربيتي وفهمي المبكر لحياة زوجية مستقرة وراحة بال واشكر الله انني واظبت على ذلك كجزء من شخصيتي وتربيتي وعلّمت ما تعلمته لأبنائي وبناتي لتبقى حياتهم هنية مرضية.

 كيف استطعت تربية أبنائك وانت في سن من تحتاج للإهتمام بها؟

كنت أسير في تربيتهم على طبيعتي، كنت هادئة معهم فالأطفال يحتاجون في سن مبكره لهدوء وروية في التعامل .كنت اوجههم وأعاقبهم اذا اقتضى الأمر تماما كما كانت والدتي تفعل معنا كما وكنت أهتم بأن يتعلموا ، وكنت أقوم بتدريسهم في كل المواد باستثناء اللغة الانجليزية.

 في ذاك الزمن كيف كانت النساء يقضين وقتهن؟

في الإستقبالات وهي عادة معروفة في بلاد الشام ''الاردن وفلسطين وسورية ولبنان'' . بعد أن كبر أبنائي كنت أذهب أنا ''وسلفتي'' للاستقبالات بشكل يومي في أوقات العصر وفي كل مرة طبعا نكون في بيت احدى الصديقات أو الجارات . كنا نتزين ونلبس على الموضة فكانت الاستقبالات جميلة ومسلية ، نشرب القهوة والشاي ونتناول الحلوى ونستمع للأغاني، لأم كلثوم وشادية وسميرة توفيق وصباح .كما وكنا ننتظر يوميا مسلسل مشهور في زماننا اسمه ''العسل المر''.. في الاستقبالات ايضا هناك من كانت تغني بصوتها وغيرها من تعزف على العود.. وعلى ذكر العود لا يمكن ان انسى يوم أحضر أخي فنانا لبيتنا وكنت طفلة ليعلمه دق العود، كنت كلما جاء هذا الفنان ليعطيه درسا في العزف أقف خلف الباب واستمع لأخي وهو يعزف .وفي يوم جاء أخي ليجدني أعزف لوحدي وكنت أحب ذلك فغضب جدا وكسر العود ولم يعد الفنان ثانية للبيت وكم كنت أتمنى لو أكمل أخي دروس العزف ليعلمني ولكن كان هذا عيبا وممنوعا.

 ما العادة التي عشتها مع اهلك وبقيت عالقة في ذهنك وما زلت تمارسينها؟.

(المونة)، كانت والدتي تعمل المكدوس والزيتون الاسود والاخضر والتطلي من كل انواع الفاكهة واللبنة واللجبنة وتضعها في المرطبانات، كنا نُمون طوال السنة لا نحتاج لشيء نشتريه من البقالة وكنت أرى أمي أيضا وهي تغرز البامية وورق العنب والكوسى والباذنجان بالإبرة والخيط وبعد تنشيفها كانت تحفظها في مرطبانات وكنا أيضاً نقوم بعصر البندورة ونضعها في الشمس ليتم تنشيفها. أما اللحوم فلم نكن نحفظها بل كنا نطبخ كل وجبة في وقتها لأنها كانت متوفرة على الدوام وقد سرت على نفس ما كانت والدتي تقوم به خاصة في بداية حياتي الزوجية وخفت الأمور تدريجيا مع مرور السنين وبعد زواج ابنائي كما وان كل شيء اصبح متوفرا في الاسواق وعلى مدار العام.

 بصراحة على ماذا كنت تختلفين مع زوجك هل كنت مسالمة أم مستسلمة؟

لا لم أكن مسالمة ولا مستسلمة انا زوجة اعرف حقوقي وقد حصلت عليها مثلما اعرف واجباتي كأم وزوجة وما لي وما عليّ داخل بيتي وخارجه وقد قدمت ما يرضيني ويرضي أفراد اسرتي على طبق من ألماس برضى وقناعة هكذا كانت أمي وهذا ما تعلمته منها وأنا اعلم ان الحياة الزوجية ليست ''افلاطونية'' لكنها بالنسبة لي لم تصل بيني وبين زوجي لخلاف بمعنى الخلاف الذي اسمع عنه بين الأزواج قد يصل أحيانا لخروج الزوجة من بيتها أو طلاقها مثلا، وكما ذكرت زوجي كان رجلا عاقلا مريحا لم يتدخل في حياتي ولا في طريقة عملي في البيت ولم يكن ايضا يتدخل في اسلوب تربيتي لأبنائنا ولا أخفي سرا بعد ان كبر الابناء أنه أصبح يغار منهم ويقول لي بأنني أصبحت أهتم بهم أكثر منه، فهذه الامور البسيطة لا اعتبرها خلافا ولا اسميها حتى اشكالا ابدا.

 محطات حياتك أي منها أكثر متعة من غيرها؟

استمتعت بكل مراحل حياتي ولله الحمد، وان كانت اجملها عندما رزقني الله بابني سمير فقد أدخل البهجة لبيتنا حيث أنه أول طفل ففرحنا بقدومه جدا.

 كم ابنا وابنة وحفيدا لك؟

قد تستغربين تقارب سنوات ولادتهم فابني سمير من مواليد عام 1948، ونبيل 1949 ونائل 1950 ومحمد 1951. وبالنسبة لبناتي فقد جاءوا بعد أخيهم نذير، وهن بدرية وسحر وسناء وسمر، وبين كل ابنة وأخرى سنتان وجميعهم متزوجون ولدي 34حفيدا و11 من الأنجال حفظهم الله جميعا.

 ما المحصلة التي خرجت بها من هذه الدنيا؟

خرجت من هذه الدنيا بشيئين أولهما تربيتي لأبنائي الذين رزقني الله بهم وانا فخورة بكل واحد منهم شبابا وبناتا حفظهم الله والشيء الآخر ''من يتقي الله يجعل له مخرجا''.