حاورني

Printer Friendly, PDF & Email

في علوم الشريعة تصنيف للأحاديث الجامعة، وهي الأحاديث التي ضمّت آدابا وأحكاما شاملة سمّوها ملاك الدين. هذه الأحاديث ينضوي تحتها قول النبي عليه السلام: «الدين المعاملة». والذي يعني أن هذا الدين يعدّ المعاملات، كل المعاملات في دائرة المحاسبة، فلا نحقرنّ منها شيئا مهما دقّ وصغر.

والتحاور من المعاملة، بل لعله من أرقاها. فهو يفتح الطرق أمام العقول لتبحر وراء الأفكار؛ والفكرة كنز العقل المكنون الذي تفصح عنه المحاورة. لذلك كان ينبغي أن يكون للتحاور آداب مرعية، فنحن في تحاورنا قد نتفق أو نختلف، لكن لا يُقبل لنا أن نتنافر ونختلف. فالشافعي -رحمه الله- لم يجد غضاضة يوما في محاورة عاقل، لأن العاقل سيعقله العقل فلا يتجاوز المنطق والأدب. أما محاورة غير العاقل فهي اساءة للذات وللآخر؛ بل ان اذايتها قد تتجاوز ذلك الى هرطقة وتنابز وربما الى خصومة وفجور، يحتار فيها الشافعي وغيره من أرباب الفهوم. فمع العاقل ستصل الى نتيجة ما قد يحتمل فيها الخطأ أوالصواب لكلا الفريقين، بل ربما ستجد المتحاورين العاقلين يبسط أحدها للآخر فرصة الكلام واضافة الحجة مبتسما راضيا، فهما يتحاوران بحثا عن الحق والفضيلة والمحصلة الأسمى والأنفع في كل شأن أو مسألة.

أما غير هؤلاء الفضلاء -ممن ذكرنا- فالحال معهم غير ذلك، فهم في هرج ومرج وتدافع. لا يقنعون بالحُجة لأنهم، وبكل تأكيد، لا يستمعون اليها! فهم يزبدون ويرعدون ولا يسمعون الاّ صوت ذواتهم، لأنهم في عيون أنفسهم أصحاب الرؤية النهائية. وهم لا يعنيهم الصواب والخطأ، أوالحق والباطل، أوما يحقق مصلحة العباد و قد ما يكون عائقا أمامها! هؤلاء باختصار شغلهم عن التحاور النظر في أعطاف أثوابهم.

ما قلناه يندرج على العامة من المسلمين وخاصتهم من العلماء والكبار المتنفذين. ألا ترى معي ما وصفه الأدباء من تواضع السنابل المحمّلة الثقيلة وارتفاع تلك الفارغة الهزيلة في روابي بلادي وكل أرض وطأ عليها الناس. المحاورة أدب وتواضع بين العقلاء، واليوم يكفينا أن نقول لمن ترك أدب المحاورة ونسي أن الدين المعاملة فسبّ وشتم وأساء: اني اليوم صائم. هكذا فقط نحدّ من جماح حظّ نفوسنا فلا نتجاوز أدب رمضان ونبقي للعقل مكانه المحترم.