نقتلهن 3 مرات!!

Printer Friendly, PDF & Email

أكتب عنهن، أعني ضحايا الانحراف والتخلف والقوانين القاصرة.
هن فتيات صغيرات منذورات للعذاب والموت المتجدد، لا لسبب إلا لأنهن وقعن في أيد ملطخة بالعار، واغتيلت طفولتهن وحياتهن في لحظة سوداء، تمتد مدى العمر بالفضيحة، وتتجلى في نظرات العيون الجارحة، وبلطجة الاستقواء على الضحية في البيت وفي المجتمع.
أتحدث عن القاصرات اللواتي يتعرضن للظلم.. حين يقعن ضحايا لوحوش بشرية تعيش بلا ضمير، وتحتمي بتخلف النظرة الاجتماعية والأعراف السائدة، وتستمد قدرتها على الاستمرار في الجريمة من خلال المخارج القانونية التي تتيح للمجرم (المغتصب) الحماية من الملاحقة القانونية في حال زواجه من الضحية!!
الضحية هنا تموت 3 مرات، ففي المرة الأولى يقتلها المغتصب حين يغتال براءتها وحقها في الحياة، وفي المرة الثانية يقتلها الأهل بإسقاط الحق الشرعي والموافقة على زواجها من مغتصبها تجنبا لـ"الفضيحة"، وفي المرة الثالثة تُقتل باستغلالها من قبل الزوج "المجرم" كأداة لإشباع الرغبة وربما كسلعة تقدم للمنحرفين مثله بمقابل مادي، يحدث ذلك طيلة 3 سنوات، حددها القانون بعد الزواج حتى تنتهي الملاحقة الأمنية للمجرم.
هذه الوقائع المستفزة وردت في التحقيق المثير الذي أعدته الزميلة رانيا الصرايرة ونشر في "الغد" بتاريخ 19/09/2011 تحت عنوان "إمعان في قهر القاصرات المغتصبات.. والقانون يوفر للجاني مخرجا من العقوبة".
أكثر من ظلم يقع على المرأة في مجتمع يصر في كل مرة على الانتقام منها والتقليل من شأنها عبر تواطؤ ذكوري يحاك ضدها ويحفر الألم في قلبها بذريعة قضايا لا ذنب لها بها سوى أنها "أنثى".
الأرقام التي ذكرت بالتحقيق تنذر بخطر كبير، فالعام الماضي شهد أكثر من 250 حالة اغتصاب، والأعوام التي سبقته شهدت أرقاما مشابهة وربما أكبر، وبالطبع تبقى جرائم الاغتصاب المسكوت عنها داخل البيوت أكثر بكثير، وهي الجرائم التي لا نعرف عنها شيئا نتيجة إخفائها بدافع "الستر" وخوفا من "الفضيحة".
إن 95 % من حالات الاغتصاب ينجو فيها المجرم من العقاب بزواجه من الضحية، ويستغل الكثيرون من المغتصبين حالة اللاعقاب لمعاودة اقتراف الجريمة مرات ومرات، ما دام اقتران المغتصب بالمغتصبة لفترة محددة منجيا من العقاب!!
حالات كثيرة يتم فيها اغتصاب طفلة يقل عمرها عن 15 عاما، ما يعني بحسب القانون الحكم بالإعدام على الجاني، غير أن تلك العقوبة تم "تجميدها" ليتم اللجوء في بعض الحالات إلى تزويج الضحية بقرار من القاضي، (مع أن القانون يمنع تزويجها قبل بلوغها هذا العمر)، وحينها لا يخضع المغتصب لملاحقة قانونية، وفي ذلك تناقض واضح مع قانون الأحوال الشخصية.. فهل هذا تواطؤ مشترك أيضا؟!
لكم أن تتخيلوا الألم والعذاب والقهر والجروح المترسبة في ذات الطفلة المغتصبة.. فالمشهد الإجرامي الذي ارتكب بحقها لن يغيب عن بالها ولا عن خيالها ولو ليوم واحد.
لن تجد سوى الدموع رفيقا لها ولعذاباتها وتعاستها وشقائها جراء محطات الظلم التي تواجهها بعد الاغتصاب؛ محطات لا تقل شراسة عن الانتهاك الأول الذي تعرضت له من قبضة استبداد لا يحتمل وجعها الصخر..
مطالباتنا بإلغاء المادة 308 من قانون العقوبات التي تعفي (المغتصب) من الملاحقة الأمنية في حال تزوج من الضحية، لن تتوقف.. سنبقى نطالب حتى نصل إلى وقت تطبق فيه أشد أنواع العقوبات وأقساها على الجاني، حتى يتذوق طعم الألم الذي تسبب فيه لطفلة أحرق مشاعرها ودفن أحلامها!!
الكارثة ان هذه الطفلة يراد لها أن تكون أما تنجب أطفالا وتكوّن أسرة ترفد المجتمع، فأي مجتمع هذا الذي يشكله الضحايا والمشوهون نفسيا وروحيا؟!