أمـــــي معي إلى الأبد

Printer Friendly, PDF & Email

لصباحاتها البهية ومساءاتها الرائعة

ولروحها الطاهرة أهدي هذه الكلمات

لم تعد أمي تسمع الأخبار، أو تعدّ قهوتها في الصباح، لم تعد تسقي زروعها، أو تروي حكاياتها الرائعة المدهشة في المساء، لم تعد تعطّر حياتي بعبق روحها ودفء نظرتها وعمق يقينها وبهاء طلّتها، لقد مضى كل شيء في لحظات، وتوقف قلبها المليء بالأمل عن الخفقان، ولم يبق لي منها سوى أثوابها وبضعة أشياء، أشتم منها رائحة جسدها النقي الطاهر.

أمي.. حيث تقف الآه على باب فمي، وحيث تعجّب الصبر من الصبر. السيدة الجليلة المؤمنة الحكيمة العاقلة، التي ألهمها ذكاؤها أن تشتري الحياة الآخرة الباقية، بهذه الدنيا الفانية، فلم تتعلق من زخرفها بشيء، فعاشت ببساطة، ونذرت حياتها للآخرين كقديسة، وجمعت حولها الكبار والشباب والصغار جيلا بعد جيل،بعطفها وتسامحها وتفهمها، وصلّت طويلا في محراب الحياة، فلم تدع جرحا دون تضميد، ولا نفسا دون عزاء، ولا فقيرا دون عطاء، ولا مسكينا دون صلة، ولا يتيما دون رعاية، ولا مكلوما دون مواساة، ولا مريضا دون عيادة، ولا ملهوفا دون إغاثة، ولا عملا صالحا دون مشاركة.. وكل ذلك بلا مقابل ودون انتظار كلمة شكر أو امتنان.

أمي التي كانت بوصلتي وطوق نجاتي، ومرشدتي ومستشارتي، وسبب طمأنينتي وسعادتي، رفيقة طفولتي وشبابي، بيتي وحصني وملاذي، تغفو روحها الجميلة الآن باطمئنان في ظل رب كريم. وقد لاقت وجهه راضية مطمئنة دافئة باسمة حامدة مستسلمة لقضاء الله وقدره، فمن يكون ذاك الذي يعترض على إرادة الله الحي الباقي الدائم ! من يكون ؟!.

إن كنت قد شهدت فيضان روحها إلى بارئها وأكرمني الله أن غفت ببراءة فوق يدي فقد شاهدت آية من آيات الله، وقد كان عزائي أن قالت لي قبل ذلك : أنه لا توجد امرأة في العالم لا تتمنى أن يكون لديها ابنة مثلي، وأن « كل من عليها فان، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام «. فكم كانت أمي مشتاقة للقاء ربها، وكم عملت لأجل هذا اليوم.

أمي، ثريا النساء، كما وصفها أحد المعزين الأوفياء، يصعب عليّ أن أكتب فيها مرثية، وأن أفيها حقها في كلمات، فقد كانت نموذجا لكل النساء الرائعات المخلصات :الابنة البارة، والزوجة الوفية، والأم العظيمة الحانية المكافحة، والإنسانة الصابرة على الآلام والأوجاع وخيبات الحياة، والمعلمة القديرة الحكيمة، والصديقة العزيزة، والمواطنة الصالحة المنتمية لوطنها وعروبتها وأمتها، التي ما تخلت عن أداء رسالتها حتى آخر لحظة في حياتها... مما يجعلها جديرة بكل الألقاب البهية الجميلة التي تستحقها في الحياة.

أمي، يا أعزّ الناس، ويا من تستظلين الآن بنور الله، مثلما كنت تستظلين بنور اليقين في الحياة، لو أعطيتك كل ما في الأرض ما وفيتك مثقالا، ولكن ذكراك العطرة ستبقى في قلبي ومعي إلى الأبد، وسيبقى قلبك المليء بالأمل، المفعم بالحب والإيمان، مصباحا ينير عتمة دروبي، ويلهمني الصبر والشجاعة في مواجهة مصاعب الحياة، وسأبقى أحب لأجلك كل الأمهات وكل النساء، وكل الأبناء والبنات، وكل من أشرقت عليه الضياء من الكائنات.. وأسأل الله الذي تجلت قدرته في كل شأن، أن يغفر لك ولكل المخلصين أمثالك، وأن يتغمدك بواسع رحمته ورضوانه، وأن يؤتك أجرك مرتين لقاء ما قدمت من عمل صالح، وأن يدخلك جنات تجري من تحتها الأنهار خالدة فيها ذلك الفوز العظيم، ولمثل هذا فليعمل العاملون، إنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم،وحسبي الله ونعم الوكيل.