المرأة فـي مهنة المتاعب

Printer Friendly, PDF & Email
image

ربما لا يعرف القارئ أن الحقائق والمعلومات والأخبار في المادة الصحفية، والتي يقرؤها في دقائق معدودة، لم يحصل عليها المراسل أو المندوب الصحفي وهو جالس وراء مكتب مرفّه. يعنيني المرأة الصحفية تحديدا، التي استطاعت بعزيمتها وجهدها وطموحها أن تكون في الوقت الحاضر ركنا أساسيا من أركان الصحافة والإعلام في الأردن. فبعد أن كانت مساهمتها في الشارع الصحفي محدودة كمّا ونوعا إلا من بعض النماذج الإيجابية للصحفيات الرائدات، استطاعت المرأة على مدى العشر سنوات الأخيرة أن تعزز وجودها في الساحة الصحفية وتبرز مساهمتها وتطبع ثقافتها الخاصة لخدمة قضيا المرأة وحقوقها.

أعرف كثيرا جداً من الصديقات والزميلات الصحفيات بحكم عملي في التنسيق الإعلامي، وأعرف أكثر كم تجهد كل واحدة منهن في الركض وراء السبق الصحفي والمعلومة المختصة بالقطاع الذي تعمل على تغطيته صحفيّاً.. فالصحفيّة ليست كأي موظفه عادية، فهي تتوجه إلى الميدان وتلاحق المناسبات والفعاليات الرسمية وكثيرا ما تتعرض لتهرّب المسؤولين وإعراضهم، لكنها تصرّ وتتابع وتسأل وتشير وتثير الأسئلة وتدون الملاحظات وتجمع التفاصيل ولا مجال لإضاعة الوقت، وكل ذلك قبل أن تبدأ بصياغة الخبر ليخرج بحرفية ومهارة بعيدين عن معايير التمييز والتحيز واحتمالات سوء التقييم.

ولك أن تتخيل أنها، شأنها شأن زميلها الرجل، تتقافز من مكان إلى ثان وثالث في اليوم الواحد في سبيل الإلمام بكل المعلومات والحقائق، ولك أن تتخيل أيضاً كم يكون ذلك شاقا على امرأة في الأجواء الحارة أو الماطرة ويتطلب الصبر والمثابرة والقدرة على تحمل ضغط العمل، خاصة إن لم تمتلك وسيلة نقل خاصة بها، ولولا هذا الجهد الذي تبذله الصحفيات البارعات لما استطعن أن يصححن كثيرا من المفاهيم الخاطئة وينهضن بدور المرأة الأردنية إلى الصفوف الأمامية.

محظوظ الجسم الصحفي في الأردن بوجود صحافيات نوعيات قد يتفوقن مهنيّاً على زميلهن الرجل، إلا أن غياب المعايير التي تحكم المهنية في العمل الصحفي تفضي إلى شعور بعضهن بالتمييز أو التهميش لصالح الذكور، كما أن التزامها العائلي وتوزع أدوارها وخوفها من أن يساء تقديرها أو فهمها يجعلها كثيرا من الأحيان تتحوّط من الاختلاط أو تحد من علاقاتها العامة خوفا من أن يفسر سعيها للتواصل ومخالطة أصحاب الرأي وصنع القرار على أنه انسلاخ عن تقاليد المجتمع المحافظ وتمرد على الدور النمطي المنوط بها، وبالتالي فذلك كفيل أن يحد من حصولها على المعلومة وتكوين الرأي وصناعة الخبر، أيضا لصالح زميلها الرجل.

الصحفية الأردنية عاشقة لمهنتها وليست أقل مهنية أو براعة من زملائها ، فهي تتميز بشخصية قوية وحراك سريع وثقافة واسعة وقدرة على المنافسة واللهاث دون شكوى أو تباطؤ، لكنها في مهنة المتاعب ما زالت تتعرض للتمييز الجندري الذي نتمنى على أرباب العمل أن يقوموا بردم فجوته كالحد من الترقيات والاستثناءات من انتدابهن لحضور مؤتمرات نوعية أو بخلاف زميلها الذكر الذي يشمل زوجته التأمين الصحي دون أن يشمل زوج الصحفية الأنثى، ناهيك عن العراقيل الأخرى الناجمة عن تعدد المسؤوليات الخارجية والمنظومة الإجتماعية التي تحول دون المنافسة العادلة بينها وبين الصحفي الرجل.

إلى زميلاتنا الصحفيات تحية تقدير وإكبار وثناء لنهوضكن المشرّف بمكانة المرأة ونقلكن صورة المجتمع بشفافية ومصداقية وقدرتكن على احتمال صعوبات العمل الصحفي بالعزيمة والإصرار، فلمثلكن يقول أدونيس (أنت امرأة مفردة بصيغة الجمع).