رجاء حدادين.. الريادة في التخصص والتميز في الإنجاز

Printer Friendly, PDF & Email

هي من بيت ارتبط بالعلم والعمل السياسي، ومن مدينة عميقة في التاريخ وضاربة في الحضارة، فالدكتورة رجاء صالح حدادين تحلق بجناحين كبيرين: العائلة المرتبطة بالطب والعمل الوطني، ومدينة الكرك بكل ما تعني من إرث كبير ونهضة مستمرة، جعلت منها حاضرة مهمة في عهود عديدة، لذا فإن الدكتورة رجاء تستند على كل ذلك العمق الكبير، وهي التي تشربت المكان والبيئة، ونهلت من علم وثقافة والدها الواسعة، ولم تنل في خلال مرحلة دراستها في المدرسة، أي مساعدة أو دراسة خاصة، فقد درست وتخرجت من المدارس الحكومية، في مرحلة واجهت الظروف الناتجة عن تحمل والدها لثمن آرائه السياسية في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، حيث غاب عن البيت ورعايته بسبب الاعتقال والإبعاد.

الدكتورة رجاء حدادين رائدة طب المجتمع، هي من مواليد مدينة الكرك في الثالث والعشرين من شهر حزيران عام 1956، ووالدها طبيب الأسنان المعروف الدكتور صالح يوسف حدادين، والذي يعد من رواد طب الأسنان في الكرك، حيث تخرج من كلية الطب في جامعة دمشق عام 1946، وكان مناضلاً سياسياً وتميز بحس وطني أصيل، وكان دائماً مستعداً لدفع الثمن مهما كان، وقد جاءت الدكتورة رجاء ثمرة زواج الدكتور صالح حدادين من الفاضلة نهاد جريس حدادين، ولرجاء من الأشقاء الدكتور فهد، والدكتور فؤاد، والدكتور جمال، لقد نشأت رجاء في الكرك، في فترة عانت العائلة من غياب الأب نتيجة الظروف السياسية والأمنية في تلك الفترة، لذا تعودت الدكتورة رجاء التي حظيت ببعض الدلال على الاعتماد على النفس، ومواجهة كل الظروف الصعبة، وتحويلها إلى محفزات للدراسة والنجاح والتميز ( الباحث أحمد حوراني، رجال في تاريخ الأردن ).
التحقت الدكتورة رجاء بمدرسة الكرك الأساسية للبنات، ودرست فيها المرحلتين الابتدائية والإعدادية عام 1967، بعدها انتقلت إلى مدرسة الكرك الثانوية للبنات، حيث درست المرحلة الثانوية وكانت طالبة متميزة ونشيطة، وتشارك بأنشطة وبرامج المدرسة بفعالية، وقد نالت شهادة الثانوية العامة بتفوق، حيث كانت من أوائل محافظة الكرك في الفرع العلمي، وحصلتْ نتيجة لتفوقها على بعثة لدراسة الطب في الاتحاد السوفيتي – روسيا حالياً - حيث بدأت رجاء صالح حدادين رحلتها مع الدراسة والغربة، لكنها كانت دائماً قوية الإرادة، شديدة الذكاء وسريعة البديهة، لذا كانت مواظبة في دراستها، ناشطة في علاقاتها، دائماً تحظى بمحبة وتقدير كل من عرفها أو تعامل معها، لذا اكتسبت صداقات كثيرة ونالت احترام وتقدير الكثير.
بعد أن أنهت الدكتورة رجاء حدادين دراستها في الاتحاد السوفيتي، عادت إلى عمان لفترة قصيرة، غادرت بعدها إلي ألمانيا منظمة لشقيقها الدكتور فهد، حيث التحقت بقسم النسائية والتوليد في مستشفى « بولمان « في مدينة « نينبورغ « من أجل التدريب، وبعد أن أمضت أربعة أشهر، عادت إلى الأردن لتبدأ مشوارها في العمل، الذي كان صعباً ومتميزاً بالنجاح والانجاز، حيث عملت في مستشفى الكرك خلال سنة الامتياز عام 1981، بعدها أصبحت طبيبة عامة في مستشفى الكرك، وكانت خلال عملها تنحاز لأهل الكرك وتعتز بهم دائماً، وتبادر لمساعدة كل من يحتاج لمساعدة، خاصة من العائلات المستورة والمحتاجين، وكانت جريئة في قول الحق، وهو ما جعلها مهابة ومقدرة، وإن كان بعض من مواجهتهم في حياتها يكرهون الحق ويصدون عنه.
التحقت الدكتورة رجاء حدادين ببرنامج الإقامة في اختصاص النسائية والتوليد في مستشفى البشير عام 1984، ونتيجة نهجها في قول الحق وعدم السكوت على الخطأ، فقد دخلت في خلافات مع رئيس القسم، فتم إلغاء إقامتها بعد عام واحد، فعادت إلى الكرك من جديد، حيث عينت بعد فترة قصيرة مديرة لمركز رعاية الأمومة والطفولة، وكان ذلك بين عامي 1985 وحتى عام 1995، ورغم مواصلتها مشوار عملها، إلا أن حلمها في مواصلة دراستها وحصولها على شهادة التخصص، بقي هدفاً أساسياً في حياتها، حتى جاءت الفرصة فتمكنت من إكمال متطلباتها الدراسية لتنال دبلوم طب المجتمع وكان ذلك عام 1988، متأثرة بالدكتور عدنان عباس أمين عام وزارة الصحة وأستاذ طب المجتمع.
كانت الدكتورة رجاء حدادين صاحبة همة عالية وطموح كبير، فلم يتوقف حلم الدراسة وطلب مزيد من المعرفة عند هذا الحد، فلقد تقدمت عام 1995 لدراسة الاختصاص في طب المجتمع من المجلس العربي للاختصاصات الطبية، والمعروف بالبورد العربي، حيث نالته بعد دراسة ثلاث سنوات متتالية، وفي الجانب المهني استمرت مسيرتها العملية في التطور المستمر، حيث عينت عام 1995 مساعدة مدير تطوير خدمات رعاية الأمومة والطفولة في وزارة الصحة، ثم أصبحت مسؤولة عن نشاطات منظمة الصحة العالمية اليونسيف ووكالة الأمم المتحدة لصندوق السكان في وزارة الصحة، وكذلك رئيسة الوحدة الفنية لوكيل – أمين عام – الوزارة، واستمرت في تدرجها الوظيفي المتواصل والمرتبط بنشاطها وتميزها في الإخلاص والتفاني، حيث عملت في مديرية صحة العاصمة حتى عام 2006، حيث عملت مسؤولة اللجان الطبية للمعونات الوطنية.
طلبت الدكتور رجاء حدادين نقلها إلى مديرية الأمراض السارية وإدارة الرعاية الصحية، حيث عملت مساعدة للمدير، أما في عام 2007 فقد عينت مديرة برنامج التدريب للوبائيات التطبيقية في الأردن، وهو برنامج ممول من الحكومة الأمريكية، ومراكز مكافحة الأمراض واتقائها، حيث كانت تشرف على تدريب الأطباء المشاركين في البرنامج من الأردن والدول العربية، وكان هذا منصبها الوظيفي الأخير. وخلال مسيرة عملها نالت عضوية عدد من المنظمات منها: عضوية الشبكة لمراقبة التهديدات للصحة العامة في منطقة البحر الأبيض المتوسط وجنوب شرق أوروبا، وعضوية شبكة الشرق الأوسطية للصحة العامة، وعضوية البرامج التدريبية لعلم الوبائيات، والشبكة لتدخلات الصحة العامة، وشاركت في دورات تدريبية ومؤتمرات عربية ودولية عديدة، حيث كانت تشارك بفعالية محتفظة بحضور مميز ولافت.
وخلال مسيرتها العملية نالت التقدير والتكريم، فقد بقيت تعمل حتى أعياها المرض العضال، حيث كرمتها نقابة الأطباء كإحدى الطبيبات الرائدات في اختصاصها، وكذلك كرمت في غيابها من قبل المؤتمر العلمي العالمي للبرامج التطبيقية الوبائية الذي أقيم في عمان عام 2012، وكذلك من قبل فرع نقابة الأطباء في الكرك، وكانت بعد دراستها وعملها بفترة قد تزوجت من الدكتور جريس سلايطة عام 1985، وكانا قد عملا معاً في مستشفى الكرك، فكان زوجها ورفيق دربها، وقف إلى جانبها طوال مشوارها في الحياة والعمل، فكان يوفر لها الحب والدعم، وتميز زواجهم بالمودة والنجاح، حيث أثمر عائلة متآلفة ومتحابة، فقد أنجبت له الصيدلانية جوليانا الحاصلة على الماجستير من جامعة « سندر لاند « في بريطانيا، وتعمل حالياً في مستشفى فلسطين، والدكتور يوسف الذي درس الطب في جامعة العلوم والتكنولوجيا.
أنجزت الدكتورة رجاء صالح حدادين بحثاً عن انتشار سكري الحمل في الأردن عام 2001، وقد نشر هذا البحث في جريدة الدستور الأردنية، وفي غمرة عملها ونشاطها تبين أن لديها سرطان الثدي في شهر تموز عام 2010، وقد عانت بصبر وكبرياء خلال فترة العلاج، خاصة بعد أن أصيبت بتسمم في الدم، لكهنا صمدت وتحسنت صحتها في شهر أيار 2011، وعادت إلى مكانها في العمل، وكانت تواصل علاجها الهرموني، في حين انهمكت في التحضير للمؤتمر العلمي العالمي للبرامج الوبائية، خلال ذلك عاودها الإعياء والإرهاق، فنقلت إلى المستشفى ليتبين أن المرض الخبيث قد أنتشر في الكبد وتفشى بنسبة 70%، وبعد خضوعها لعلاج كيماوي مكثف دون جدوى، توقف العلاج لتواجه الدكتورة رجاء حدادين الألم والوهن بصبر كبير وتحدٍ نادر وبعزة نفس كبيرة، حتى صعدت روحها الطاهرة إلى السموات العُلى، حيث توفيت في الحادي عشر من تشرين الثاني عام 2012، عن عمر ناهز السادسة والخمسين عاماً، وشيع جثمانها في جناز كبير إلى مقبرة أم الحيران. لقد رحلت باكراً وغادرتنا سريعاً، لكن ستبقى الدكتورة رجاء صالح حدادين شمعة لا تنطفئ وذكرى عزيزة لا تنسى أبداً.