عمان- لم تتردد الأربعينية أم محمد في مراجعة طبيبها الخاص، بعد ان شعرت بكتلة صغيرة في صدرها، وبعد أن ذهبت بها الهواجس والقلق بعيدا على مصير أولادها المجهول، إن ثبتت إصابتها بسرطان الثدي، وزادها قلقا توقعات متشائمة بردة فعل زوجها المرتقبة، ونظرة المجتمع لها، إلى جانب رهبتها من موت يرعبها التفكير به.
قرأ الطبيب تفاصيل صورة الرنين المغناطيسي "الماموغرام" بعمق، والتفت الى أم محمد وزوجها، مهدئا من روعهما، قائلا "إصابتك في المرحلة الثالثة من السرطان، وسنبدأ بمراحل العلاج، لكبح انتشار خلاياه، والأمل في الشفاء وارد باذن الله".
سقطت كلمات الطبيب على مسامع الزوجين كالصاعقة، ساد بعدها صمت طويل، لم يسمع خلاله في غرفة الفحص سوى صدى تنهدات ام محمد المكبوتة، وتمتمات زوجها المتقطعة وغير المفهومة.
وبحرقة شديدة، حاولت ام محمد ان تصف لـ"الغد" مشاعرها المختلطة عند سماعها نبأ إصابتها، بين الإصرار على مقاومة المرض، او الاستسلام له، حتى باتت امنيتها في تلك اللحظة، أن تصرخ بصوت عال، بيد ان خجلها منعها من ذلك، فحبست بداخلها شعور القهر العارم، واكتفت ببكاء خائف من موت يلوح في القريب!
استاذ علم النفس في الجامعة الأردنية الدكتور يوسف حميدان يرى أن "الخوف والخجل من الكشف عن مرض سرطان الثدي إحدى المشاكل التي تواجه السيدات في مجتمعاتنا العربية"، وقال "يتوجب على السيدات عدم الخجل من اصابتهن، حتى لا يزداد وضعهن الصحي والنفسي سوءا، ويمكن لذلك أن يدخلهن في اكتئاب شديد ولوم للذات".
اعتادت أم محمد على مظهرها الخارجي الجديد، بعد العملية الجراحية للصدر، رويدا رويدا، ومع ذلك آثرت ان تقيم في فندق قريب من مركز الحسين للسرطان، بعد جلسات الكيماوي، حتى تبقى صورتها في عيون اولادها وزوجها "جميلة"، بعد ان تساقط شعرها، وأصابها إعياء تام.
فكرة إقامتها بعيدا عن أسرتها لم تلق استحسانا من الاسرة، حسب قول ام محمد، لكنها عادت اليهم، وإرادتها قوية، وأملها كبير بالشفاء، حتى بات الجميع يستمد منها الشجاعة. وأجريت لها عملية تجميل بعد استئصال الثدي، ما حسّن من حالتها النفسية، وحولها الى إنسانة "مكتملة جسديا"، حسب وصفها.
يشار الى ان البرنامج الأردني لسرطان الثدي كان قد أشار، في دراسة أعدها مؤخرا، بالتعاون مع معهد "كارولينسكا السويدي، بعنوان "صوت الخوف"، إلى "أن النساء الأردنيات لديهن مخاوف من فحوصات الثدي الطبية، ويحملن مشاعر خوف من سرطان الثدي".
ويلفت نائب رئيس برنامج الرعاية النفسية والاجتماعية في مركز الحسين د. بسام رجائي الى ان حلولا عديدة يمكن من خلالها مساعدة المريضة، لتمكينها من تخطي الألم، والتعايش مع المرض، منها توفير ثدي إصطناعي، ودعم مادي، كبدل مواصلات، أو إقامة المصابات بالقرب من المركز لتوفير الراحة لهن بعد جلسات علاجية مرهقة.
من منطلق "ان اي سيدة في العالم ليست بمأمن من الاصابة بسرطان الثدي"، ارتأت أم فراس (33 عاما)، ان تجري فحصا سريريا، اثناء الحملة الوطنية للكشف عن سرطان الثدي العام الماضي، وذلك بعد ظهور كتلة في ثديها، تبين بعد الفحص أنها "غدة حليبية".
تنفست أم فراس الصعداء حينها، وتقول لـ"الغد" ان لحظة فحص لم تتجاوز دقائق، "بددت الخوف لدي وجعلت حياتي تسير بسعادة وهدوء، اضم الآن أولادي السبعة في حضني، وأنجز أعمالي المكتبية بكل تفان".
وتؤكد مدير البرنامج الأردني لسرطان الثدي نسرين قطامش ان "نسبة الشفاء من سرطان الثدي، إن تم اكتشافه مبكرا، تصل لأكثر من 95 %، وان ما نسبته 80 % من الكتل بصدور لنساء، ليست سرطانا".
وتشير قطامش إلى ان البرنامج ينفذ مشروع الزيارات المنزلية، بهدف زيادة وعي السيدات بأهمية الكشف المبكر، ومساعدتهن على التغلب على معيقات الإقبال على الفحص المبكر، من جهل وخوف وغيرها، مبينة أن " البرنامج وفر خدمة الكشف المبكر المجانية، في 73 وحدة "ماموغرام"، موزعة على جميع القطاعات الطبية في المملكة".
واختار البرنامج الوطني شعارا لحملة هذا العام "صحتك أهم.. يلا نفحص"، ليشارك بها العالم احتفاليته باليوم العالمي لسرطان الثدي، الذي يصادف مطلع تشرين الأول (أكتوبر) من كل عام.
"الصحة أولوية"، شعار وضعته أم حافظ (37 عاما) أمام عينيها، وهي العاملة في مركز لتحفيظ القرآن في عمان. فبمجرد ان تلمست كتلة متحركة في ثديها، سارعت مباشرة إلى جمعية الأسرة، الكائنة في جبل الحسين، التي حولتها لمستشفى المدينة الطبية، لاجراء الفحوص الطبية اللازمة.
بعد "تردد وخوف لم يطولا والحمد لله"، أجرت أم حافظ عملية جراحية، استأصلت خلالها الكتلة من ثديها، وأكدت أن العملية "لم تشوه" معالم جسدها.
أم محمد وأم حافظ، المصابتان المتعافيتان من سرطان الثدي، تحولتا لناشطتين في مساندة المصابات الأخريات، سلاحهما في الحياة "الارادة والشجاعة لقهر المرض"، حتى ان ام محمد تصر على ابنتها العشرينية بإجراء الفحص المنزلي (اليدوي) الشهري، كأحد اساليب الكشف المبكر عن سرطان الثدي، وحتى يتحول هذا الفحص جزءا من ثقافتها الصحية.








5118 ,Amman 11183, Jordan