عمان- "لا تكن كقمة الجبل ترى الناس صغارا ويرونك صغيرا"، مقولة تؤمن بها غدير الجلاد (24 عاما)، تؤكد نظرتها وإصرارها في التعلم والاجتهاد في صناعة مستقبلها بيدها.
فقدان الجلاد لنعمة البصر منذ الولادة لم يقف حجر عثرة في وجه تطلعاتها، وظلت تحتفظ بروح المثابرة في مسيرتها التعليمية رغم الصعاب التي واجهتها إلى أن حصلت على شهادة البكالوريوس في الأدب الانجليزي، وأصبحت تؤدي رسالتها كمعلمة للغة الإنجليزية في أكاديمية المكفوفين، ومعدة تقارير وبرامج في "راديو البلد".
التحقت الجلاد منذ الطفولة بمدرسة خاصة للمكفوفين، وواصلت تعليمها بعد حصولها على شهادة الثانوية العامة، بالتحاقها بكلية الآداب في الجامعة الأردنية، وهنا بدأت النقلة النوعية في حياتها، واكتشفت أن لديها قدرات لم تولها اهتمامها في المدرسة لاعتقادها أنها تتلقى المديح من معلماتها فقط تقديرا لتفوقها في التحصيل العلمي.
الجرأة، القدرة على الحوار مع الآخرين، الإبداع، الثقة بالنفس، حب الاكتشاف وكسب المهارات والمعارف، جميعها صفات أدركتها معلماتها في المدرسة، لكنها لم تشعر بها إلا عندما واجهات الصعاب في الجامعة واستطاعت التغلب عليها بالإصرار والعزيمة.
ومن الصعاب التي واجهتها في الجامعة من الناحية الاجتماعية بأنها لم تتعامل أو تختلط بأناس لديهم إعاقة فحسب، حيث أدركت أن الجامعة "عالم كبير"، ووجدت أن هناك اختلافا بطريقة التعامل والحوار والاهتمامات والتصرف العفوي التي اعتادت عليه، وأن عليها التأقلم مع الوضع الجديد وأن تتعامل مع الأشخاص بنفس الطريقة، فقررت أن تبقى عفوية مع من تريد ورسمية مع البعض وفق قولها.
ومن المعيقات الأكاديمية التي اعترضت الجلاد صعوبة التحدث أمام الجمهور باللغة الإنجليزية، وهنا بدأت روح التحدي تقوى لديها بمحاولة اثبات الذات وأن تصل للمستوى المطلوب أو أعلى منه.
تقول "عندما أرى شخصا متميزا أسعى لأن أصل لمعرفته، ليس من باب التقليد ولكن من باب حب العلم وتحسين الذات".
لم تندم الجلاد على اختيارها لدراسة تخصص الأدب الإنجليزي الذي نبع من رغبة لديها إلى جانب توجيه مدرس اللغة الانجليزية لها بأن الكفيف "من الأفضل أن يتعلم اللغة الانجليزية لتكون لديه لغتان، ولا تذهب عليه الكثير من المعلومات".
دهشت الجلاد من زملائها الآخرين في الجامعة عندما لاحظت أنهم بنفس المستوى الضعيف لديها، بالرغم من أن الإمكانات متوفرة لديهم، فهم يسجلون ملاحظات الدكتور بكل يسر وسهولة، كما أن الدكتور لا يمحو الكتابة على السبورة، والقاموس بيدهم وتوفر مختبرات الإنترنت والمكتبة، أما بالنسبة لها فلا تملك أي نوع من تلك الوسائل، فكانت تطلب من الدكتور أن تسجل المحاضرة وللأسف أن غالبيتهم عارض الأمر، ولجأت أحيانا لإخفائه إلى أن قررت مواجهة الأمر وفرضه، فبدأت تذهب للمنزل وتفرغ التسجيل ثم تكتبه على لوحة بريل، وفي بداية الأمر كانت تعاني من البطء في الكتابة.
وفي السنة الثانية قامت بإحضار اللاب توب وساعدها أحد الزملاء بإنزال البرنامج الناطق، وحينها فهمت اللغة جيدا وانتقلت لعالم المعرفة من خلال الأبحاث واستخدمت التسهيلات الخاصة للمكفوفين والكتب والأبحاث والأيميل وغيرها من المعارف، وأصبحت منافسة لزملائها، وهنا لفتت انتباه الجميع من الكادر التدريسي والطلاب وعلم الجميع أنها فتاة تملك همة عالية واصرارا لا يستهان بهما.
أصبحت الجلاد ناشطة في حقوق ذوي الإعاقة من خلال مشاركتها المتعددة في البرامج والنشاطات، وعند تخرجها كانت على يقين أنها ستواجه صعوبة في البحث عن عمل، خصوصا عند سماعها من زملائها المواقف والمعاناة في الحصول على فرصة عمل.
لم تيأس الجلاد من البحث المتواصل عن العمل من خلال تقديمها لعدد كبير من الطلبات والتوجه لعدة أماكن، وتذكر أنها في كل مرة كان الترحيب بها كبيرا على الهاتف، وعندما تصل لمكان العمل سرعان ما يتبدل حوار العمل لحوار الشفقة وتنتهي المقابلة بأننا سنتصل بك لاحقا.
وبذات الوقت بادرت الجلاد للالتحاق بعدة مراكز لتحصل على دورات في الحاسوب، وقوة طاقة بشرية، ودورة معدة من وزارة التربية والتعليم والمجلس الأعلى لشؤون المعوقين، دورة في التنقل والحركة، برمجة، لغوية عصبية، وأخيرا دورة في العمل الصحفي من قبل راديو البلد التي تعمل به الآن بالإضافة لعملها كمعلمة.
ومن الأشخاص المؤثرين في حياة الجلاد عائلتها وأيضا خالتها ولديها ذات الإعاقة، فالعائلة منحتها الثقة بالنفس كونها لم تشعر يوما أنها لديها ابنة ذات إعاقة وهنا تولد لديها التقبل للنفس والسعي لصنع الذات.








5118 ,Amman 11183, Jordan