العالمة العوران..ابنة الطفيلة تشق حقول النباتات البرية بأبحاث علمية محلية وعالمية

Printer Friendly, PDF & Email

عمان- على الرغم من معاناة اليتم التي ذاقتها العالمة الخمسينية سوسن العوران بعد وفاة والدها، عندما لم يكن عمرها قد تجاوز العامين، فإنها ما تزال تعلق صورته في مكتبها بالجامعة الأردنية، مستذكرة كل خطوة لرحلتها الأكاديمية، وبأنها وصلت الى منصبها بجدارة، لتتبوأ منذ العام الماضي، منصب عميدة كلية العلوم.
ولمحافظة الطفيلة تمتد جذور العوران، تلك المحافظة الغنية بالنباتات والأشجار البرية، التي صقلت شخصيتها، قبل أن تقرر دراسة العلوم في جامعة بغداد العام 1975، بعد أن حصلت على بعثة دراسية، ولتجد دعما لمسيرتها من قبل والدتها "الأمية"، وجدتها وخالها، مقدرين لها تفوقها الدراسي في المرحلة الثانوية، وطموحها "اللامتناهي" بأن تتقلد أعلى المراتب العلمية وصولا للعالمية.
لم يمنعها طموحها العلمي، من أن تتحدى ظروفها الدراسية الصعبة في مرحلة البكالوريوس، وأن تستقل في كل فصل دراسي، باصا قديما يشق عتمة الطريق الصحراوي، الذي يمتد بين العاصمتين عمان وبغداد، بمسافة تزيد على 950 كيلومترا.
 كما هو حال "المغتربات"، سكنت العوران بالقرب من الحرم الجامعي مع طالبات من مختلف الجنسيات، لا تفكر سوى بشهادة جامعية، تعود بها إلى وطنها الأردن، لتساعد في حماية ثرواته الطبيعية من الرعي الجائر والزحف العمراني، فباتت تلتهم الكتب الدراسية، وتنام بين مقاعد المكتبة المزدحمة بالمراجع العلمية، مبددة عتمة ليلها بضوء فانوس خافت، ينعكس على كلمات أبحاثها. وأصرت البروفسورة العوران على أن تصبح "أكاديمية وباحثة"، فتحملت مسؤولية قرارها، وتحدت مجتمعا محافظا، يرفض آنذاك أن تتبوأ المرأة مناصب أكاديمية، أو تسافر وحدها إلى بلاد أجنبية، لغايات الدراسة أو العمل، ويفضل بقاءها حبيسة المنزل، فانتقلت في منتصف ثمانينيات القرن الماضي الى مدينة الضباب لندن، مصطحبة تحت جناحيها أطفالها الأربعة، لتحصل على شهادة الدكتوراة من جامعة "ريدنج"، المتخصصة في العلوم البيولوجية- علم النبات.
ونتيجة لعملها المتواصل كالدينامو في إعداد أبحاثها العلمية المتخصصة في مجال علم النباتات الطبية على مدار 20 عاما وأكثر، تمكنت من نشر أكثر من 50 بحثا، فضلا عن مشاركتها بأوراق علمية، في أكثر من 80 مؤتمرا محليا وعربيا وعالميا. هذه الحصيلة من الإنتاج العلمي، حسب قولها، أهلتها لتنضم الى جمعيات عالمية ومحلية، وتبوأت منصب عميدة كلية العلوم في الجامعة الأردنية العام الماضي، والذي كان حكرا لفترة طويلة على الأكاديميين الرجال من زملائها في الهيئة التدريسية بالجامعة.
وحاولت الباحثة العوران، طيلة توليها منصبها الإداري تحدي الصعوبات المالية، المخصصة للإنفاق على البحث العلمي في الجامعة، بالعمل على حماية النباتات البرية، لتصنيعها، لكنها لم تغفل دراسة تأثير الملوثات الجوية على التنوع الحيوي النباتي في الأردن، وخصوصا المنبعثة من مصنعي الإسمنت والحسا، جنبا الى جنب مع زملائها العلماء، وطلبتها، ضمن فريق بحثي، لإيجاد آليات تحمي تلك النباتات البرية النادرة والمهددة بالانقراض.
وبرغم الإنجازات التي حققتها عبر أبحاثها الفردية والمشتركة، ما تزال العوران تواجه محدودية الدعم المالي للأبحاث العلمية على المستوى المحلي، ما دفعها لأن تلجأ باستمرار لحل هذه المشكلة عن طريق توفير دعم تستقطبه من جهات أوروبية أو أميركية.
وتفصح العوران عن ألمها، جراء تجاهل القطاع الخاص لدعم الأبحاث العلمية في الجامعات الأكاديمية، وبخاصة أن نتائج الأبحاث واعدة في عالم الصناعات الدوائية، ويمكن تسويقها عالميا، في بلد يعد من أغنى دول العالم في احتوائه أصنافا نباتية متنوعة، حسب أحدث قائمة للنباتات في الأردن، التي تضم أكثر من 2500 صنف.
وترى أن الجهات الرسمية، وجمعيات معنية بحماية البيئة تفتقر الى التشبيك مع الهيئات الأكاديمية للحد على نحو سريع، من عوامل التلوث البيئي في المحميات الطبيعية، مثل ضانا، والمناطق الغنية بالنباتات البرية والأشجار في مناطق عديدة، منها الفحيص ووادي شعيب والطفيلة والشوبك ووادي موسى.
وأعربت عن أملها في تفعيل القوانين والتشريعات لحماية البيئة للحد من إقامة مشاريع اقتصادية وسياحية عمرانية، تزحف على الغطاء النباتي في الأردن وتدمره.
ومع موجة التغييرات الإدارية المستمرة في الجامعات الأردنية، تقول العوران إن "الإداري الأكاديمي المتميز بات يجد نفسه حبيسا في بيئة جامعية، تخلو من التنافس العلمي والعمل المشترك، في وقت لا يتم فيه تقييم الأداء والإنجاز قبل استكمال رسالاتهم".