الزواج من صغيرات: رغبة في الهيمنة على زوجة قليلة الخبرة وتشكيلها حسب الطلب

Printer Friendly, PDF & Email

عمان- يتباهى فراس أمام أصدقائه بأنه على وشك الزواج بفتاة لم يتجاوز عمرها الثمانية عشر عاماً، على اعتبار أنها ماتزال "صفحة بيضاء"، على حد وصفه؛ إذ لم تختبر الحياة وليس لديها أي معارف خارج نطاق الأسرة، ولا أي تجارب عاطفية مع الآخرين، حسب ما يعتقد.

 

ويرى فراس أن الفتيات الصغيرات يتمتعن بالبراءة على عكس اللاتي يكبرنهن في العمر، فيقول "أريد فتاة صغيرة كي أقوم بتربيتها وتشكيلها حسب ما أريد، وأضمن براءتها، ولا أريدها في مثل عمري، أو أصغر بقليل؛ لأنها ستكون ذات شخصية قوية، وسيكون التعامل معها أصعب".
فراس واحد من كثيرين يفضلون الاقتران بفتيات صغيرات في السن، ليشعروا بالاطمئنان أنهن لم يتعرفن على أي شاب قبل ذلك، ولم يخضن أي علاقات.
معاذ شاب آخر يؤيد مثل هذا التوجه، معتقدا أنه في هذا الزمن لا بد من البحث عن فتاة ليست صغيرة فقط، بل ماتزال في "بطن أمها"، للتأكد من أنها لم تخض أي علاقات عاطفية مع أي أحد، وحتى لا تكون قد تعلمت كل شيء من الفتيات الأخريات، ومن ثم يصبح التعامل معها أفضل بكثير، حيث تكون ماتزال مثل "العجينة التي تتشكل حسبما أريد"، ويمكن حمايتها من التلوث الموجود في البيئة الخارجية.
الاختصاصي النفسي د.محمد حباشنة، يرى أن هذه نمطية تقليدية من الشباب للزواج من فتيات صغيرات، على اعتبار أن الزوج سيكون الرجل الأول في حياتها، وفي الوقت نفسه يكون هو قد أجرى علاقات أخرى مع فتيات مختلفات، مبيناً أن هذه طريقة مرضية وليس فيها تصالح مع الذات.
"فإذا كان الشاب يبحث عن فتاة من دون خبرات، فيجب أن يكون هو كذلك من دون خبرات، إلا أن ما يحدث أن ذكورية المجتمع، تعتبر أنه يحق للرجل ما لا يحق للأنثى"، حسب ما يقول الحباشنة.
من جانبه، يأسف اختصاصي علم الاجتماع د.حسين الخزاعي لمثل هذه المعتقدات؛ لأنها موروثات اجتماعية تتعلق بتفضيل الزواج ووجود الفارق العمري، وأن يكون مستواه أعلى من الناحيتين العلمية والاقتصادية لترسيخ ظاهرة "الزوجة المطيعة"، وكأنه يريد أن يفرض التسلط عليها.
كما أن المجتمع يعتبر، وفقا للخزاعي، أن الفتيات الصغيرات لم تختلط الواحدة منهن بالحياة والمجتمع، ولم تختلط ببيئات تغير من سلوكاتها، وليست لديها خبرة، لافتا إلى أن الهدف الأول والأساسي أن تكون زوجة تتلقى كل المعلومات والخبرة والمهارة من الزوج كونها لم تمتلك أي خبرات بعد.
ورغم أن هذا الأمر لا يخالف العادات والتقاليد، حسب ما يقول الدكتور خزاعي، ولكنه يعتبر أمرا سلبيا؛ لأنه ينتقص من دور المرأة وقيمتها، خصوصا أن هناك ما يسمى بـ"التعليم الذاتي"؛ بحيث تبدأ الفتيات في البحث عن التعليم، والخبرات بعد سن المراهقة، وخارج نطاق الأسرة، وهذا لا يقتصر على العمر، وإنما على طبيعة البيئة التي تعيش فيها الفتاة.
المحامي وخبير العلاقات الزوجية د.فتحي طعامنة، يعتبر أن الفتاة الصغيرة تكون من الناحية الطبية غير مهيأة للزواج والإنجاب، عدا عن أنها صغيرة السن ولا تعرف قدسية الحياة الزوجية، ولا تعرف كيف تعتني بالطفل وحاجياته.
ومن خلال الواقع في المحاكم الشرعية، فإن الفتيات صغيرات السن في الغالب لا يستمر زواجهن، فتنحصر أحلامهن بقضايا قشورية؛ مثل بدلة العرس وشهر العسل، والعرس، وعندما تنصدم بالواقع تصبح غير قادرة على المتابعة.
ويبدي استغرابه من الاعتقاد بأن الشاب الذي يفكر بأن الفتاة الصغيرة خالية من تاريخ الخبرات العاطفية وأسهل في التعامل، فهو شاب ذو تفكير سطحي، ولا يرتقي بتفكيره، بأن ينظر لها كزوجة وأم لأبنائه، قادرة على احتوائه، لافتا الى أنه بعد فترة تصبح عنده ردة فعل، ويدرك أنه تزوج من طفلة، فلابد من توافر النضج الكامل لدى الطرفين.
الاختصاصية في الشؤون الزوجية د.نجوى عارف، تقول "إن مثل هذا الاعتقاد سائد بكثرة في المجتمع، ولا يقترب من الصحة بأن تكون الفتاة ماتزال قليلة الخبرة وتطلعاتها محدودة، ويسهل إقناعها وتشكيلها والتأثير عليها، ولكن كل تلك الأمور غير سليمة للعلاقة الزوجية".
وتتابع حديثها "في البداية، قد يجد الرجل متعة أنه أثر على زوجته وشكلها، ولكن بعدها سيشعر بالملل كون التناقض مطلوبا في العلاقة، وسيكتشف بعد ذلك، أن زوجته أصبحت نسخة عنه، وأحيانا يجعلها متقوقعة على نفسها ضيقة الأفق قليلة التجارب واعتمادية فتصبح متلقية للرسائل وغير مرسلة".
وتشير الى أنه بعد مدة يميل الرجل إلى التجديد والتغيير، وقد تصحو الزوجة على نفسها عندما تنضج، فإما أن تصبح سلبية وغير سوية في تربية الأبناء أو تتمرد، فيقابل زوجها ذلك بالرفض والعنف، لافتةً الى أن وجود الخبرة في العلاقة يعد أمرا مهما.
وقفت فرح (17 عاما) في حيرة من أمرها عندما وافقت على الخطبة، وتنتظر الزواج عندما تتم عامها الثامن عشر، فهي لم ترفض ولم توافق، فأهلها جلسوا معها، وأخبروها أن هناك من تقدم لخطبتها، وشجعوا فكرة زواجها، سعدت بموضوع الخطبة والحفل والفستان، كما وجدت أنها في كل الأحوال سوف تتزوج وتنجب الأولاد وتجلس لتربيتهم فوافقت على الزواج.
تقول "في بداية الأمر، فكرت قليلاً بأن أختار بين الزواج وحياة الجامعة، إلا أن أهلي لم يتركوني حتى أقنعوني بموضوع الخطبة وتم الأمر".
وأكدت الدراسات أن معظم الفتيات اللواتي يتزوجن في سن صغيرة يعانين من مشاكل تتعلق بالتكيف، وهي توافق على عدم امتلاكها الخبرة، وفق الاختصاصي النفسي د.أحمد الشيخ، الذي يبين أن هناك خبرات تتعلق بالنضج الانفعالي، وهي أهم مقومات نجاح الزواج، وتكون غير متوفرة، وبذلك يكون الشخص قد تجنب مشكلة بنظره على حساب مشكلة أخرى.
ويعتبر أن مثل هذا التوجه تفكير خاطئ، لأنه ينطلق من عدم الثقة بالفتيات، إلى جانب أنه يعتبر أن الاقتران بالفتيات الصغيرات يمكنه من تشكيل شخصيتها، فهذا أمر غير صحيح لأن المهم هو النضج الانفعالي.

majd.jaber@alghad.jo