%91 من النساء لم يتبرعن بالدم.. و"ثقافة العيب" تحد من إقبال السيدات على الخطوة
عمان - لم يسمح الشاب العشريني محمود علان (24 عاما) لشقيقته العشرينية دعاء أن تتبرع بدمها في بنك دم غرب عمان، عندما احتاجت والدتها الى وحدات دم أثناء خضوعها لعملية جراحية في مستشفى خاص.
وعلى الرغم من حاجة والدتهما للدم، لكن محمودا لم يتمكن من الابتعاد عن ثقافة رسخت في عقله منذ نعومة أظفاره بأن "الذكور أقدر وأسرع على التبرع" من دون أن يبرر بوضوح سلوكه تجاه شقيقته، بعيدا عن محاولة إنقاذ حياة والدتهما، لكنه قال "إذا لم يتوافر رجال يتبرعون لوالدتي فسألجأ حينها الى شقيقاتي وهذا أضعف الإيمان".
ومن دون تخطيط مسبق، طلب محمود من أبناء عمومته الذكور وأصدقائه من باب "النخوة" أن يهبوا ويتجمعوا أمام بنك الدم مباشرة ويخضعوا للفحص، جاهلا تفاصيل صحية عنهم، وحتى شروط التبرع التي تعلق على لوحات داخلية في بنوك الدم.
وبين تكريم وحماية صحة المرأة الأردنية من التبرع بدمها في مجتمعنا وثقافة توارثتها الأجيال بمنح الأولوية للذكور في تقديم هذا الواجب، يرى مدير مديرية بنك الدم المكلف في وزارة الصحة الدكتور كريم يرفاس أن "ثقافة العيب" في المجتمع ما تزال تحد من تبرع المرأة بدمها.
وهذا ما أكدته، دراسة أعدتها المديرية على عينة عشوائية لمتبرعين قوامها 821 متبرعا متطوعا لدى بنوك الدم الأردنية، حصلت "الغد" عليها أن 91 % من النساء الأردنيات لم يتبرعن بدمائهن في الحملات العادية، بينما تتراجع هذه النسبة في الحملات المنظمة داخل الجامعات لتصل الى 76 %.
ويرى الخبير في علم الاجتماع والنفس ونائب رئيس الجمعية العربية لعلم الاجتماع الدكتور حلمي ساري، أنه في حال تساوت الفرص للرجل والمرأة بالتبرع بالدم، ستكون نسبة الإناث بحكم عاطفتها أعلى في المشاركة سواء المنظمة أم الطارئة.
لكنه في الوقت ذاته، يرى ساري أن نسبة مشاركة المرأة تتراجع إذا كانت عرضة لضغوط مجتمعية وبخاصة الذكورية، لافتا الى أن ذلك يعني أن استقلاليتها في اتخاذ القرار تكون محدودة، مبينا أن ارتفاع او انخفاض نسب التبرع بين النساء الأردنيات مرتبط بعوامل أخرى لها علاقة بالمستوى التعليمي والثقافي لهن، ومكانتهن الاجتماعية والاقتصادية (عاملة أو ربة منزل).
ومارست الطالبة الجامعية دعاء قناعاتها بأهمية التبرع، عندما شاركت في حملة منظمة من بنك الدم داخل الحرم الجامعي، وقالت "لدي الوعي الكافي بأهمية التبرع كونه عملا إنسانيا نبيلا، يتم بفضله علاج الكثير من الناس وإنقاذ حياتهم"، مبررة منع شقيقها لها بالتبرع في حالة والدتها بسبب خوفه عليها من تداعيات التبرع، وبخاصة أن قوة دمها متذبذبة، الى جانب أن الثقافة المجتمعية تولي الذكور الأفضلية على الإناث في هذه المسألة.
ولم تخبر دعاء أسرتها عن سرها بمشاركتها في الحملة، لأنها تؤمن بقرارها المستقل، وفق قولها، ولاقتدائها بجلالة الملكة رانيا العبدالله التي تبرعت بدمها مرارا، وبخاصة لأبناء غزة أثناء العدوان الإسرائيلي عليهم.
وأشارت الدراسة ذاتها، وفق يرفاس، أن نسبة المتبرعين من الذكور في الجامعة الألمانية الأردنية بعمان تصل إلى 76 % و24 % للإناث، بيد أن نسبة المتبرعين من الذكور في جامعة الزيتونة على طريق المطار، ترتفع مقارنة مع الألمانية لتصل إلى 81 % و19 % للإناث.
وقال يرفاس إن "مسألة التبرع مرتبطة على نحو كبير بالثقافة المجتمعية، وعليه لا بد من تكثيف الحملات الإعلامية باستمرار وعدم اقتصارها على اليوم العالمي للتبرع الذي يصادف 14 حزيران (يونيو) المقبل، مع التركيز على إدراج هذه الثقافة ضمن المناهج المدرسية".
ويتفق مع يرفاس الاستشاري الأسري أحمد عبدالله، أن على الأسرة أن تزرع منظومة الاهتمام بالآخر عند الأبناء، ثم جعلهم يقتدون بأولياء أمورهم، من خلال ملازمتهم للآباء والأمهات في تبرعاتهم، وتعزيز هذا المفهوم منذ الطفولة.
وتتبرع الصيدلانية دانيا العمري وأسرتها باستمرار حفاظا على صحتهم من ناحية، وزيادة نسبة الاحتياطي في بنك الدم لمساعدة المحتاجين بخاصة في حوادث السير التي تستهلك كميات كبيرة من وحدات الدم، لافتة إلى أن والدتها الستينية تدفعهم للتبرع من دون تفريق بينها وإخوانها، فالواجب الوطني لا يفرق بين ذكر وأنثى، حسب قولها.
وترى العمري أن ثقافة التبرع في مجتمعنا تتحسن على نحو أفضل عما كانت عليه في السابق، غير أن هذه الظاهرة بحاجة إلى توعية بأهمية التبرع، وبخاصة شروطه التي يجهلها المواطن العادي، فيرفض البنك سحب دمه ليكتشف المتبرع بالصدفة أن قوة دمه ضعيفة أو قد تناول أدوية مسبقا، وأحيانا إصابته بمرض معد.
ويعد الأردن من الدول المتقدمة، بحسب التصنيفات العالمية، عندما بلغت نسبة المتبرعين بالدم 3.2 % من عدد السكان بما يغطي الاحتياجات المطلوبة وضمن النسب العالمية التي تتراوح بين 3 - 5 %، حسب يرفاس الذي أشار أن بنك الدم يجمع سنويا 182 ألف وحدة دم.
ويرفض بنك الدم التبرع من المرأة، حسب شروطه، إذا كانت حاملا، وفي حالة ولادة على الأقل لثلاثة أشهر من تاريخ التبرع، أو خلال فترة الدورة الشهرية، بينما تشترك المرأة مع الذكور في الشروط العامة، وهي ألا يقل العمر عن 18 عاما ولا يزيد على 65 عاما، وألا يكون المتبرع قد تبرع بالدم مسبقا لمدة أقصاها للنساء: قبل 4 أشهر (لا يسمح لها بالتبرع أكثر من 3 مرات خلال عام)، وللرجال: قبل 3 أشهر (في السنة الواحدة لا يسمح له بالتبرع أكثر من 5 مرات). على أن تكون قوة الدم "نسبة الهيموجلوبين" للنساء:
12.5 - 16.5، وللرجال: 14 - 18، وألا يقل الوزن عن 50 كيلو غراما.
ويطلب البنك، وفق يرفاس، إحضار البطاقة الشخصية، والتصريح بالأدوية التي يتناولها المتبرع، لأن بعض أنواعها لا تسمح للشخص بالتبرع، أو إذا كان لديه وشم "تاتو" منقوش على جسمه، علما أن المتبرع في حالة توافق كافة الشروط، يخضع لفحوص مجانية للكشف عن أمراض الإيدز والكبد الوبائي والزهري "السفلس"، لكن لا يتم الكشف عن النتيجة إلا للشخص نفسه، إذا كان الشخص مصابا بتلك الأمراض.
وتؤكد البروفسورة في مجال صحة المرأة والطفل في الجامعة الأردنية رائدة القطب على عدم وجود فرق بين جسم الرجل والمرأة في مسألة التبرع، باستثناء إذا ما كانت قوة دمها ضعيفة، لافتة الى ضرورة إعداد دراسات اجتماعية علمية تفسر ظاهرة عزوف النساء الأردنيات عن التبرع، برغم عدم وجود أي فوارق صحية، وصولا الى توصيات تقدم للجهات الرسمية والأهلية، لتصميم حملات توعوية مدروسة بناء عليها.
ووجهت منظمة الصحة العالمية العام الماضي للمتبرعين بالدم في العالم رسالة تشجع المتبرعين الشباب، حثا لهم على التبرع الطوعي للدم لإذكاء الوعي بالحاجة إلى توفير الدم المأمون لعمليات نقل الدم.








5118 ,Amman 11183, Jordan