ذاقت «منار» صنوف التعذيب اللفظي والجسدي من زوجها، ولم تكن تدرك حقوقها القانونية التي تساعدها على التخلص من العنف إنقاذا لها ولأطفالها الأربعة، كما أنها لا تعرف بحكم القيد المحيط بها، عن مؤسسات تقدم المساعدة والدعم للنساء المعنفات.
وتصف حياتها بأنها أشبه بالجحيم فعلاوة على التعذيب الجسدي، كانت تعنف بأقسى الكلمات، فقد كان زوجها وفق ما قالت يطلق عليها أبشع الأوصاف، ما جعلها تعتقد بأنها «إمراة بشعة شكلا وروحا»، الى أن استطاعت أن تتخلص من واقعها المرير بمساعدة إحدى صديقاتها التي أرشدتها الى من يمد يد العون لها.
فقد وجدت «منار» (وهو ليس اسمها الحقيقي)، ملاذها للتخلص من عنف زوجها وقسوته الذي لم يتوقف على مدى سنوات زواجهما، بالتوجه إلى مكتب شكاوى المرأة، حيث ساعدها بالحصول على حقوقها القانونية والنفسية التي ظلت محرومة منها.
وبينت أنها حاولت التخلص من واقعها عبر طلبها الطلاق، فكان زوجها يرفض ويصر عليها بالتنازل عن حقوقها الشرعية مقابل الطلاق، وهو ما كان صعب حصوله، خصوصا وانه يعني التخلي عن أطفالها ونفقتهم.
لكن عندما طلبت المساعدة القانونية ومعها النفسية والاجتماعية من مكتب شكاوى المرأة التابع للجنة الوطنية الأردنية لشؤون المرأة، حصلت على أحكام قانونية للتفريق بينها وبين زوجها عبر قضية الشقاق والنزاع بعد أن استنفدت وسائل الإصلاح وراب الصدع الذي شاب حياتهما الزوجية ، فكان لها الحرية مع الحفاظ على حقوقها الشرعية.
وصال التي استعانت بمكتب الشكاوى قصتها مختلفة، فهي عانت من عنف الفقر والحاجة بعد أن دخل زوجها السجن، ولم تجد ما يسد حاجتها وأولادها، غير أن المكتب ساعدها بالحصول على معونة من صندوق المعونة الوطنية.
وساند مكتب الشكاوى عضوات بمجالس بلدية تعرضن للتهميش والتجاهل من قبل زملائهن ورؤساء بلديات، إذ حال تقدمهن بشكوى إلى المكتب تم العمل على تغيير أسلوب التعامل عبر إجراء اتصالات ساندتهم بها وزارة البلديات.
القضايا السابقة هي نماذج لمئات النساء اللواتي طرقن باب مكتب الشكاوى على مدى العامين الماضيين، لطلب المساعدة القانونية والاجتماعية والنفسية، أملا بان ينعمن بحياة هادئة تخلو من العنف بأشكاله.
ويختص المكتب الذي تأسس في آب 2008 وباشر أعماله رسميا في شباط 2009 ، باستقبال حالات العنف أو التمييز الذي تتعرض له النساء في الأردن في المجالين العام والخاص سواء على صعيد الأسرة أو العمل أو في الحياة العامة.
واستقبل المكتب خلال العامين الماضيين 1200 حالة تتعلق بنزاعات أسرية وعمالية تم التعامل معها عبر تقديم الاستشارة القانونية أو الاجتماعية أو عبر إحالتها إلى الجهات المعنية أو إلى الاختصاصين الاجتماعيين والقانونيين والنفسيين.
وبينت الأمين العام للجنة الوطنية الأردنية لشؤون المرأة أسمى خضر أن المكتب نجح بمدة قصيرة في إرساء أسس استقبال والتعامل مع شكاوى المرأة في حالات العنف والتمييز سواء على مستوى الأسرة وأماكن العمل والمجال العام.
ونجح أيضا وفق خضر بتوفير خدمات متخصصة من خلال برنامج الإحالة الذي يطبقه المكتب بالتعاون مع سبعين شريكا من الهيئات والمنظمات الرسمية وغير الحكومية التي تقدم الخدمات لهذه الفئات، وبتوفير الخدمة 24 ساعة يوميا على مدار الأسبوع.
ويقصد ببرنامج الإحالة تحويل الحالات التي ترد إلى المكتب للجهة المعنية بالقضية حسب الاختصاص والخدمات والمساعدات التي تحتاجها صاحبة الحالة.
ومما حققه المكتب كما قالت خضر ل»الرأي» تطوير الميثاق الأخلاقي وتعميمه ليكون أساسا في عمل المرشدين ومقدمي الخدمات وفي حوسبة البيانات الواردة بصورة تكفل السرية من جهة، وتكفل إتاحة المعلومات اللازمة للبحث العلمي من جهة أخرى.
وتمكن المكتب من بناء قدرات العاملين وتطوير معايير اعتماد التي تقدم الخدمات ويترافق معها برنامج تطوير القدرات للارتقاء بالمعايير.
لكن أهم إنجاز للمكتب تعتز به خضر بناء قاعدة بيانات محوسبة، بعد أن أجريت مشورات مع مختلف الشركاء لاعتماد تصنيفات مؤكدة للعنف ضد المرأة، تتيح للشركاء مستقبلا اعتماد قاعدة بيانات بالنسبة لحالات العنف المختلفة التي تردهم ويوثقونها.
وبينت أن قاعدة البيانات في حال استخدامها من الشركاء، ستكون أساسا متينا لإحصاءات وبيانات تمكن من التعرف على ظاهرة العنف وحجمها، وأكثر أشكال العنف شيوعا بصورة تساعد على رسم السياسات المناسبة، والتخطيط الملائم، وإتاحة الخدمات الأكثر إلحاحا.
وتعمم جميع المعلومات المتضمنة بصاحبة الشكوى عبر الرقم الوطني، لمنع الازدواجية وتشتيت الجهود، وحتى لا تسجل الحالة بأكثر من جهة بحيث يصبح الرقم واحدا يعكس واقع العنف بالأردن.
وتأسيس القاعدة لسجل وطني لحالات العنف ضد المرأة بعد استكمال تعميمها على مراكز اللجنة بالمحافظات.
وحول تجاوب الجهات المقدمة للخدمة والمساعدة للنساء المعنفات، قالت خضر أن ثمة تجاوبا متفاوتا، فهناك مجموعة التجاوب من قبلها يومي عبر إحالة قضايا وملفات عليها، فيما بعض جهات التعامل معها دون مستوى الطموح.
ولفتت إلى أن الجهات الرسمية حتى التي لم توقع مذكرات تفاهم معها تتعاون وبصورة كبيرة، وتتعامل مع الحالة التي تحال إليها بناء على طلب المسترشدة (المرأة المعنفة)، وتحظى بالخدمة بصورة فورية.
وشددت على أن المكتب يلتزم بمبدأ السرية وبالخدمة المطلوبة من المسترشدة، بمعنى يترك الخيار لها باتخاذ القرار بطريقة المعالجة والجهة التي تتوجه إليها.
ورغم ما تم تحقيقه من نجاحات تحدثت عنها خضر، إلا أنها لم تخف إخفاق الجهات المقدمة للمساعدة بالوصول إلى المعنفات بصورة أوسع وبالمناطق كافة، وبررت ذلك بما أسمته «بثقافة الصمت» التي تحول دون إفصاح النساء عن ما يواجهن من عنف.
وتعتقد خضر أن من الأسباب الحاجة إلى بناء ثقة بين المسترشدات ومقدمي الخدمات والشعور بالجدوى، وهو ما يدلل بحسبها بعد كل حالة نجاح في المكتب ترد حالات استدللن على المكتب عبر صديقات أو قريبات لمستفيدات حصلن على مبتغاهن من المكتب.
وعلى جانب آخر ذي صلة بما سبق يشرف على المكتب فريق مكون من أخصائية اجتماعية مسؤولة عن المكتب جوليانا ترجمان، ومستشارة قانونية المحامية دانيا الحجوج، وأخصائية نفسية ريما عربيات.
وتحدث فريق العمل عن رحلة الشكوى من لحظة استلامها على حين التأكد من حلها أو ترك ملفها مفتوحا إن استعصى على الجهات المقدمة للخدمات حلها، فوفق المستشارة القانونية الحجوج يتم استقبال الحالات والاستماع إلى مشاكلهن ويطلب منهن تعبئة نموذج خاص يتضمن معلومات وبيانات، مشيرة إلى أنه يتم توقيع المشتكية على أي إجراء يتخذ لضمان موافقتها.
ولفتت إلى أن معظم المشتكيات يطالبن بالإرشاد النفسي والاجتماعي، والبحث عن حلول لاستئصال المشكلة من أصلها.
وبينت الحجوج أنه تقدم للمسترشدة خدمة الاستشارة القانونية الأولية ومن ثم متابعتها، فإن كانت بحاجة إلى متابعة وتمثيل قضائي تحال إلى الجهة المختصة بتقديم خدمة التمثيل القانوني المجاني، مشددة على أن القضية تتابع مع الجهة التي أحيلت إليها إلى حين إغلاق الملف.
وأكثر القضايا التي ترد المكتب وفق الحجوج العنف بشتى أنواعه الجسدي واللفظي والمعنوي والنفسي الواقع على المرأة من الزوج، مشيرة إلى أن المعنوي صعب إثباته لأنه يقع على النفس كالتهديد بالطلاق أو بالزواج الثاني، أو بإقامة علاقات خارج إطار الحياة الزوجية.
وقالت أن نسبة كبيرة من النساء يكظمن غيظهن ويتحملن هذا العنف حفاظا على الأسرة، وأحيانا لجهلهن بحقوقهن وبالجهات المقدمة للخدمات.
ونوهت إلى أن ظاهرة العنف لا تفرق ما بين غني وفقير أو متعلم أو غير متعلم، فالنساء اللواتي عرضن مشكلتهن على المكتب جئن من مناطق مختلفة، منهن تحمل شهادات عليا وأخريات غير متعلمة.
لكن ثقافة المجتمع والمعتقدات البالية هي ما أدى بأن تتعرض المرأة للعنف دون أن تشفع لها مؤهلاتها العلمية أو مستواها الاجتماعي أو الثقافي أو مكان سكنها، بحسب ما استنتجت ذلك الحجوج عبر اللقاء بالحالات التي راجعت المكتب.
ورغم أن بيانات المكتب تدل على أن عمان تحظى بأعلى نسبة من النساء المعنفات إلا أن هذا بحسب الحجوج لا يدلل على تفاقم قضية العنف في العاصمة دون باقي المحافظات، ذلك لأن المكتب تواجده الرئيسي عمان، فضلا على أن الغالبية العظمة من الجهات المقدمة للخدمة متواجدة في العاصمة، ما دعاها للمطالبة أن تخرج هذه الجهات إلى الميدان وتصل إلى باقي المناطق لمحاربة ظاهرة العنف، وأن يركز عملها بالمحافظات على التمثيل القانوني للنساء.
وتحاول الأخصائية الاجتماعية ترجمان تحديد أسباب العنف عبر ما لمسته من الحالات التي تصل إلى المكتب، إذ تقول أن انقطاع وسائل الحوار بين الأزواج ومهارات الاتصال والتواصل بين الطرفين، إلى جانب تدخلات عائلية، فأغلب المشاكل وفق ترجمان يكون أسبابها الأسر من الطرفين.
وقالت أن بعض الحالات يعانين من «عدم الثقة بالنفس»، ما يجعلهن يتقبلن أي شيء ينعتهن به أزواجهن، فيصلن إلى مرحلة متقدمة تصل إلى الاكتئاب، لا يدركن معها كيفية التعامل مع المشكلة، وكيفية التعامل مع الأزواج، مشددة على أهمية تأهيل الأزواج والمقبلين على الأزواج.
وهو ما أكدت عليه الحجوج وزادت أنه ينبغي إخضاع المقبلين على الزواج لدورات إلزامية، حتى يشعروا بجدية الحياة الزوجية وقدسيتها وتحمل أعبائها وتبعاتها، داعية إلى إيجاد مركز متخصص يتبع إلى دائرة قاض القضاة ليقوم بهذه المهمة، والعمل على إصدار دليل للأزواج بخطوات حل المشكلة.
ونوهت ترجمان إلى ضرورة التمكين الاقتصادي للمرأة حتى تتمكن من مواجهة أي إشكال يواجهها، فثمة نساء يقبلن بالعنف لأسباب اقتصادية، مشيرة إلى حالة تراجع المكتب كانت تشعر بقوتها ومقاومتها للضغوط لوجود والدها يساندها معنويا وماديا، لكن بعد وفاته شعرت بالانكسار.
ومن الأسباب التي تفاقم مشاكل النساء بحسب الحجوج الجهل بالقانون وعدم المعرفة بالجهات المقدمة للخدمات، مشددة على ضرورة التوعية القانونية للنساء، والعمل على تعديل التشريعات التي تنضوي على تمييز وتفاقم قضية العنف.
وفي السياق دعت إلى سن تشريع يتناول مسألة الأموال المشتركة بين الأزواج، فثمة نساء ساهمن في بناء بيت الزوجية وعند الطلاق خرجن بخفي حني على حد قول الحجوج.
فريق العمل ركز على أهمية الجانب النفسي للنساء المعنفات، ولارتفاع تكلفة جلسات المعالجة النفسية، تم مؤخرا استحداث خدمة الإرشاد النفسي، الذي تقوم عليه المرشدة النفسية عربيات، التي بينت أن المكتب بصدد إنشاء شبكة أخصائيين نفسيين من جهات تقدم خدمات نفسية، مثل مراكز استشارية في الجامعات.
إلى ذلك بينت ترجمان بان المكتب بصدد إصدار تقرير يشمل من عام 2008 إلى 2010 يحتوي على تحليل بيانات المكتب كميا ونوعيا وأسباب العنف وتركزه وأكثر أنواعه شيوعا.
ويعمل المكتب وفق ترجمان أيضا على إصدار مسودة إستراتيجية لمناهضة العنف ضد المرأة من خلال شبكة شمعة، التي عملت لجانا متعددة منبثقة عنها وخرجت بخطة عمل عرضت على خبراء بالتخطيط الاستراتيجي، لتحديد نقاط القوة والضعف لإضافتها على الاستراتيجية التي مدتها سبع سنوات.
وسيرافق الاستراتيجية خطة عمل تنفيذية تتضمن رؤية ورسالة وأهداف ومهام وضعت عبر النهج التشاركي لنحو سبعين مؤسسة.
وسيصدر المكتب كتيبا بتصنيفات العنف لتحديد أنواع العنف وأسبابه لتكون موحدة بين جميع الجهات يقارب طبيعة المجتمع وما تعانيه المرأة بعيدا عن التصنيفات المستوردة، إلى جانب الميثاق الأخلاقي بالتعامل مع الحالات.
الهاتف المجاني لمكتب الشكاوى 080022955








5118 ,Amman 11183, Jordan