نجوى خوري أستاذة الأطباء وحكيمة أبناء الفقراء

Printer Friendly, PDF & Email
image

بورتريه لنجوى خوري بريشة الزميل احسان حلمي 
  ريادتها في أنها من أوائل مَن دخلوا قسم طب الأطفال في الجامعة الأردنية عند تأسيسه، ثم في جمعها لثلاثة تخصصات علمية، وهي طب الأطفال والأمراض المعدية والسيطرة على العدوى، ونالت فيها مجتمعة البورد الأميركي.

ما قدمته للأردن عشيرة من الطلبة الأطباء، فخرجت أفواجا لا تحصى، منذ التحاقها بالجامعة الأردنية بعد انتهاء دراستها في الدكتوراه من الولايات المتحدة العام 1977، يومها كان في قسم الأطفال أستاذان اثنان فقط.

ثلاثة عقود وأكثر من التعليم، وما تزال تجني ثمار النجاح والتفوق والإصرار على العطاء، وهي حين تتذكر البدايات فإنها تستحضر التجربة، وفيها كانت التحديات كثيرة مع أن الدعم من إدارات الجامعة كان بلا حدود... لكننا أعطينا الحرية للتصرف بسرعة.

تتحدث أستاذة طب الأطفال في الجامعة الأردنية، الدكتورة نجوى خوري، عن البدايات المؤسسة لبرنامج الإقامة في الطب، الذي يتلو التخرج من كلية الطب، وهو الذي يؤدي للاختصاص العالي، صحيح أنها بدايات صعبة، لكنها وضعت مسار الطب في الأردن على طريق التميز.

تستذكر الذين وضعوا لبنات المشروع الطبي الوطني الأردني؛ بعضهم بقي في البلد وأفاد العباد، وآخرون سعوا في مناكب الأرض طلبا للرزق كان معنا عن قسم الجراحة محمود أبو خلف، وعن قسم الباطنية كامل العجلوني، وعن النسائية سهيل خلف، أرسينا معا قواعد برنامج الإقامة الذي غدا برنامج الاختصاص العالي وبرنامج البورد الأردني.

قيمة برنامج الإقامة لتحقيق شرط الاختصاص في أنه وضع أسس الاختصاص الطبي، وأضاف نظرة جديدة لمستشفى الجامعة كونه مستشفى جامعيا، ولمستشفى الجامعة أهمية تكمن في أنّه ليس تعليميا فقط، بل هدفه أن يكون سبّاقا في تلبية حاجات المجتمع وإعطاء نظرة مستقبلية.

خوري راضية وفرحة بـسلالتها الطبية من التلاميذ الذين خدموا المجتمع، وبعضهم صار من القيادات الطبية أنا مبسوطة على ما أنجزت... لقد كانت عندي مهمة، وهي النهوض بالمستويين الطبي والتعليمي، ونجحنا، وأنا فخورة بالذين درّستهم وغدوا أطباء وقيادات طبية.

يستذكرها الناس بعطائها في تخفيف آلام أطفالهم، حتى غدا اسمها سبباً لطمأنة الكثير من الأسر، التي تنظر في قوائم المواعيد كي تعاين الحكيمة أبناءهم. وهي هنا حين تعاين أبناء البسطاء فإنها تمنحهم الوقت الكافي، كما تمنح أبناء كبار المسؤولين أنا أجد أن ابن المواطن الغلبان والبسيط له حق مضاعف؛ لأنه بحاجة لنا أكثر.

تقر، ضمنيّاً، أن طرق التواصل اختلفت بين الزمن الماضي والراهن، وأن مجتمع الأطباء تغيّر؛ عليك كطبيب في المستشفى أن تتذكر كل لحظة أنك لست وحدك، بل نحن حلقة متكاملة. إلاّ أنّ ما يعوق الإنجاز في القطاع الطبي بشكل عام، هو استعمال طاقات تواصل تعود لزمن مضى، وهي بذلك تشير إلى البيروقراطية التي تضرب الإنجاز في كل قطاعات الدولة.

لا ترى أن ثمة صعوبات كي يبقى الأردن متميزاً بالطب؛ لا أجد في الدنيا صعوبة، لقد واجهنا تحديات كبيرة، وأؤمن بأننا في الأردن لا تنقصنا العقليات الطبية أو المختبرات أو التشريعات، لكن أصعب ما تواجهه أن تبدأ بعمل، وتمنع لأسباب خارجة عن طاقتك من أن تواصل عملك.

أزمة القطاع الصحي في الأردن ناجمة عن أمرين؛ التفاوت في نمط التدريب، ولأجل هذا عملنا البورد الأردني، وهو في بدايته كان فكرة حضارية. والدول العربية تبعتنا؛ إذ كان فكرة خلاقة فأنت تضع الجميع تحت المساواة حتى خريج أميركا كان عليه أن يقتنع بدخول الامتحان.

مشكلة الفكرة الطيبة في دوامها على ما بدأت به، وفي تقبلها حينما تكون جديدة؛ حدثت ثورة على البورد عند إقراره بداية الثمانينيات، وحصل اعتصام ضده، وللأسف رضخ القائمون على الأمر وصار دخول البورد مقصورا على خريجي البلد.

الخلل الثاني، الذي ضرب نوعية الطب، زيادة الأعداد المقبولة في الجامعات، ومع أن الهدف كان نبيلا لتحسين العناية بالمرضى ـ لكن قرارات زيادة عدد الطلبة المقبولين من دون التوسع في الإمكانات أضافت عبئاً على الأساتذة، وقللت فرص التدريب الجيد نصحت أحد وزراء التعليم العالي بأن الطب ليس علما ورقيا بل تدريب، لكنه لم يأخذ برأيها.

يتصل بذلك سبب جوهري آخر، وهو فتح كليات طب في جامعات حكومية غير الجامعة الأردنية وجامعة العلوم والتكنولوجيا من دون وجود مستشفى جامعي، وهو أمر خطير، على الأقل يجب أن يكون لدى الجامعة مستشفى جامعي.

وجود عدد كبير من طلبة الطب في الجامعات التي فتحت كليات طبية حديثا، يعاني من خلل النسبة المقبولة بين عدد الطلبة والأساتذة سينعكس ذلك سلبياً على المدى البعيد، سيقل عدد المبدعين، وبعد عشر سنوات سيوجد حفظة دروس طبية؛ لأنه سيكون في المحاضرة بين مائة ومائتي طالب.

الجامعات الحكومية منجم الدولة في الكفاءات، وأنا مع إبقاء دور للدولة في القطاع العام، مع تحسين مستوى الخدمات... أقبل أن أكون أستاذة وطبيبة في قطاع عام، لكن عقلي يجب أن يكون منظما بشكل أفضل من القطاع الخاص.

تقدم فكرة للمستقبل، تدافع عنها، وترى أنها متوفرة على أرض الواقع؛ هناك ثلاثة مراكز بحثية بجانب بعضها، وفيها طاقات بشرية وعلمية هائلة، لماذا لا نفكر بجمعها في إطار تنظيمي واحد، ونسميه مدينة الملك عبد الله الثاني للتعليم الطبي، لتكون هذه المراكز البحثية عقل البلد الطبي ومصدر تجدد طاقاتها، وهذه المراكز هي مركز السكري، ومركز الحسين للسرطان، ومستشفى الجامعة.

الحياة بمثل ما هي مهمة فهي زمن وذاكرة، وأول الزمن عندها كان في القدس، شهدت النكبة طفلة صغيرة، ولا أتذكر منها شيئا. وبعد الاحتلال انتقلت الأسرة إلى نابلس، ثم إلى رام الله بعد وفاة والدها.

بداية التعلم كانت في نابلس بمدرسة أسماء بنت الصديق الابتدائية، ومن ثم انتقلت إلى مدرسة الفرندز في رام الله، وبعدها التحقت بالجامعة الأميركية ببيروت لدراسة الطب.

في بيروت كانت من دون بعثة ساعدني أحد أقاربي للعام الأول، وبعد أن ظهرت نتائجها في العام الأول حصلت على بعثة دراسية تحدي الإمكانات أجبرني أن أكون الأولى؛ لأنني أريد البعثة مع أنني لم أكن الأولى في المدرسة ولو مرّة واحدة.

في الجامعة الأميركية صدمت بالنكسة كانت النكسة مفصلا مهما في الفكر العربي فجأة انقشع الحلم أمامي.. كنت أبكي فقالت أمّي والدك مات ولم تبكيه، قلت هذا موت للأمة.

الحياة في بيروت تميزت بالفكر الحر وسؤال المرء عن أي شيء أحسست أنني أمام حياة جديدة... لكنها عزفت عن السياسة عمري ما دخلت حزب فصعب عليّ أن أكون مؤطرة؛ لأني أبقى على السؤال دوما، لكنها تستدرك سؤال الهوية أنا عربية أردنية فلسطينية جالسة في عمان؛ لأنني عربية أردنية تلك هي هويتي.

زاملها في الجامعة الأميركية جورج عوض وفتحي محمود وراجح صباح، هؤلاء غادروا وتجنسوا بجنسيات عربية أنا التي عدت من بينهم للأردن، وكان معي طالب عاد وذهب للمدينة الطبية، وهو من عائلة أبو غوش.

الحياة لم تكن سهلة تعبنا كثيرا بسبب اليتم المبكر؛ فوالدي المحامي مرض شهراً واحداً، ثم رحل، لكنني قررت أن أستمر بدراسة الطب في أميركا. وهناك التحقت بعدة جامعات للاختصاص وإتمام الدراسات العليا، فدرست في جامعات جونزهوبكنز وييل وكولاردوا حيث التخصص فأمضيت خمسة أعوام.

حلت بعمان في العام 1975، ثم عينت بالجامعة الأردنية أواخر السبعينيات كنت مصرّة على التعيين بعد ظهور إعلان بالجريدة، ترى أن أكثر شيء يجب أن يتاح هو إعطاء فرصة ليبرهن المرء على قدراته وإشاعة العدالة في الفرص.

من ألمع طلابها صلاح المواجدة وعبدالكريم القضاة ووليد أبو حمور وفوزي الحموري وآخرون هي فخورة بإنجازها الطبي في أي اجتماع أجد طلابي وأحس بالنجاح وأفرح؛ لأننا خرّجنا هذا الجيل.

بدايتها الصاعدة طبيا ومواظبتها أهلتها للكثير من الجوائز، حصلت على جائزة عبد الحميد شومان للعلماء الشباب العام 1984 وهي الطبيبة الوحيدة التي حصلت عليها أنا  سعيدة بالجامعة الأردنية وهي التي أمدتني بالكثير.

عالميا، هي عضو في خمس لجان كبرى على مستوى العالم؛ فهي رئيسة لجنة المطاعيم في اللجنة العالمية لطب الأطفال، وهي عضو في لجنة عالمية للنظر في الآثار الجانبية للمطاعيم وأنا في لجنة الأمراض ذات الرئة.

ومحليا، هي رئيسة لجنة المطاعيم في الأردن، وفي وزارة الصحة هي رئيسة لجنة السيطرة على شلل الأطفال، ورئيسة شعبة الأمراض المعدية في مستشفى الجامعة الأردنية، ما يضايقني أني لا أستطيع أن أفيد الجامعة أكثر ممّا أنا فيه. وهي عضو الهيئة العلمية لجائزة عبدالحميد شومان  للعلماء الشباب.

معرفتها بالملك حسين مليئة بالمواقف الإنسانية؛ فقد كانت تشرف على صحة أبنائه. كأب هو شديد الاهتمام بأولاده وذكي جدا، كان يقرأ قبل أن أصل، وذات مرة اتصل بي الساعة 11 ليلا وسألته شو سيدي؟ قال لا تهتمي بس بدي أسأل، وكان قد قرأ عن المرض الذي عالجت منه أحد أبنائه الأمراء، وهو بسيط، لكنه أراد أن يطمئن.

تعرّفت على الحسين رحمه الله حين قال لي د. علاء طوقان بدي أوريك ابن أختي -يقصد الملكة عليا - رحمها الله- قلت أذهب معك آخر الدوام ومشينا طويلا، سألت أين نذهب؟ قال للقصر، قلت كيف أدخل للقصر، وأنا بلباس العمل، وسألته كيف أخاطب الملك، قال تقولين سيدنا، لم أكن اعتدت ذلك وقلت هل أقول جلالتك، قال لا، ولما وصلنا قصر الهاشمية، وإذ بالملك على الباب قال أهلا ستي واستقبلنا بكل بساطة. المنطق السهل يجعلك تقول له سيدنا بكل سهولة، وكذلك الملك عبد الله بسيط وقريب للمرء مثل والده، وأنا على علاقة مع أطفاله في حال احتاجوني.

تواظب على مطالعة الصحف والمقالات الأجنبية، تزوجت العام 1973 من د. باسم بولس أستاذ الفيزياء في الأردنية، وأنجبت سامر الذي درس الهندسة، ونبيه درس الاقتصاد والموسيقى، ونسرين درست المحاماة.

mohannad.almubaidin@alghad.jo