آفاق القصة وحدود الرواية عند سعود قبيلات ، كان عنوان الدراسة التي قدمتها الشاعرة والأكاديمة د. مها العتوم في دائرة المكتبة الوطنية. كان ذلك مساء أول أمس ، ومن ضمن فعاليات كتاب الأسبوع ، التي تقيمها الدائرة نفسها مساء كل يوم أحد. تمحورت الدراسة التي قدمتها د. العتوم ، وهي ناقدة بارعة ، حول تجربة سعود قبيلات القصصية ، وما تتسم به من عناية خاصة بالتجريب والتجديد ، كما قالت بتعبيرها. وفي الواقع ، يمكن اعتبار ما قدمته صاحبة دوائر الطين قراءة استثنائية لمجمل أعمل قبيلات ، بدءأ من مجموعته (مشي) الصادرة عام 1994 عن دار أزمنة للنشر والتوزيع ، وانتهاء بمجموعة §1986§ الصادرة عن دار النشر نفسها في أيار من العام الفائت. وإذْ قلتُ قراءة استثنائية ، فإنني أعتمد على الآلية التي تعتمدها د. العتوم في عملها النقديّ عموماً فهي آلية تقوم على عمليتينً الأولى هي قراءة الأعمال على نحو تجاوريّ (juxtaposition) ، والثانية هي قراءة الأعمال نفسها على نحو عموديّ حيث يكون التعاقب الزمني لكتابة هذه الأعمال ذا دَوْرْ جوهريّ ومركزيّ. لعل الصفة المميًّزةَ لمجموعة (مشي) أنها تضم (قصصاً قصيرة جدا)، وسعود قبيلات نفسه يرفض هذه التسمية إذا كان المقصود منها التجنيس ـ أي تصنيف العمل بوصفه جنساً أو نوعاً أدبياً (genre) ـ لأنه يعتبر هذه التسمية تصف الكمّ ، كما قال في أكثر من مناسبة. لكنّ مها العتوم ، وقد وجدتْ في هذه المجموعة كاملة ، وفي بعض قصص المجموعة التالية (وهي (بعد خراب الحافلة) ، والتي صدرت عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت عام 2002 ، ملامح فنية وسمات أسلوبية فارقة ، ستقول إنّ ذلك يسمح لنا بتجاوز الخلاف والرفض (حول التسمية بالطبع) بالنظر في هذه القصص واستخلاص مكوناتها ومقوماتها. هكذا ، ستمضي مدرًّسة الأدب العربيّ في الجامعة الأردنية في الكشف عن أنّ الاقتصاد اللغويّ (في قصص (مشي)، مقصود لذاته ، ثم توضح ذلك بقولها إنه ليس عدد الكلمات هو القليل فحسب ، بل إنّ حجم الحدث هو القصير ، أيضاً. والقصة التي تتحدث عنها د. العتوم هي قصة (مشي)، والتي حملت المجموعة عنوانها. هذا الشكل من القّصًّ ،، تقول د. العتوم ، يعتمد تكثيف الحدث الواحد ليحيل إلى أحداث أخرى متضمنة فيه. لكنْ هل يستمر سعود قبيلات في كتابة هذا النوع من القصة (القصيرة جداً)؟
فعل الحياة ضد الموت
على نحو باهر ستكشف مها العتوم عن أسلوب آخر اعتمده قبيلات في مجموعته (بعد خراب الحافلة) ، وهو أسلوب الحكي ، مبيًّنة أنّ قصص هذه المجموعة تتضافر ، في ما بينها ، في ما يشبه القص المتوالي الذي سمّاه صاحبها بالحكي. في هذه المجموعة ، سنقرأ حكايات غريبة لرجل غريب الأطوار صار تمثالاً بعدما انقطعت به السبل طويلاً في محطة لم تعد تأتي إليها الحافلات. هذا الرجل ، في انتظاره الطويل يتسلى بسرد حكايته على مسامع العابرين. ترى ، ما هي الوظيفة الدلالية لتمثال يحكي؟ ببراعة فائقة ستكشف لنا مها العتوم أنّ الحكي هنا هو شكل من أشكال الحكي الطفوليّ اللذيذ الذي يؤجل النوم ، ثم تضيف أنه ، أيضاً ، هو الحكي الشهرزاديّ الذي يؤجل الموت ليلة أخرى. هكذا ، سنجد أنّ الحكي فعل الحياة ضد الموت. وهذا تأويل باهر فعنوان المجموعة يوحي بما هو واقعّ بعدما حل الخراب بالحافلة ، ولن يحيل ذلك إلاّ إلى موتْ يرين ، والموت نفسه سحيل إلى صمتْ أبديّ ، وبما أنّ في التمثال ، بوصفه تمثالاً ، إحالة على الجمود الذي هو تجلّْ من تجليات الموت ، فإنّ النتيجة الأكيدة للتأويل الذي قدمته د. العتوم هو رفض الكاتب لفكرة الموت ، وتشبثه بنقيضه ، وهو الحياة ذاتها ، حتى لو كان الكاتب نفسه ميتاً.
في قراءتها الأعمالَ على نحو تجاوريّ ، لن تتتبع صاحبة (نصفُكً لَيْلكّ) التمايزات في الشكل والأسلوب في أعمال سعود قبيلات ، بل ستذهب إلى إبراز التطور في الشخصيات وفي الأمكنة. بالتالي ، ستكشف عنما أسمتْه أسلوب القص المتداخل في مجموعته (الطيران على عصا مكنسة) الصادرة عن دار أزمنة العام الفائت. وستكشف لنا عن قصة من نوع آخر في هذا العمل ، ابتكر صاحبها شكلاً جديداً ومميزاً ، وذلك باعتماد العديد من الشخصيات الواقعية من المبدعين في حقول مختلفة في الرواية والقصة والشعر والثورة والفكر باختلاف فروعه ، كما قالت قبل أنْ تُبيّن أنّ شخصية الراوي وتجربته ، في كل مرة ، تتداخل بتجارب هؤلاء وقصصهم. فما الذي يحيل إليه ذلك؟ لعل الدلالة الأساسية لامتزاج قصص هذه الشخصيات امتزاجاً عضوياً بقصة الراوي هي تذويب الحدود المختلفة بينها لترتبط آخر الأمر بالراوي الذي تشكل وعيه وإبداعه بها جميعاً ومنها. هكذا ، سيربط القاص التجارب الإنسانية بعضها مع بعض على مر التاريخ الإنسانيّ.
لكنّ الداهش في القراءة التي قدّمتْها د. العتوم لهذه المجموعة ، هو استحضار الكاتبً فرويد ، والذي اعتبرته استحضاراً لنظريته الفردجنسوية ، والتي يعترف فرويد والراوي ويونغ بأهميتها من زاوية أنها فتحتْ باباً مغلقاً ، بل كانت فتحاً إنسانياً معرفياً ، إلا أنّ صاحبها انتهى بالانغلاق على نفسه. ربما يبعث ذلك على التساؤل إنْ كان الراوي نفسه انتهى بالانغلاق على نفسه ، خاصة أنّ ثمة احتمالاً كبيراً لتأويل (بعد خراب الحافلة) على نحوْ يكشف عن شعور الكاتب باللاجدوى ، وعن عجزه عن القيام بالفعل الإراديّ. وربما تكون القراءة المثيرة ، والتي قدمها الشاعر حكمت النوايسة لهذه المجموعة ، سبباً كافياً لرفد هذا الزعم (يمكن الرجوع لهذه القراءة على موقع اتحاد كتاب الإنترنت العرب من خلال الرابط التالي
www.arab-ewriters.comaction=showitem&&id=3943
نمط جديد من القص
في مجموعة §1986§ تكشف لنا د. العتوم عن تقنيات السرد لدى سعود قبيلات. وسوف تقول إنها ربطت هذه المجموعة بالرواية لأنها استفادت من شكل الرواية وبنائها وتقنياتها. ويتعتبر ذلك وفاءً (من الكاتب طبعاً) لنمط جديد من القص. أمّا الثيمة التي تتخذا المجموعة نفسها ، فهي حياة شخص عاديّ يعاني أزمة وجودية ومعرفية وإنسانية ، ويعيش الصراع بين السجن الحقيقيّ والسجن تالنفسيّ خارج السجن الحقيقيّ. لكن ماذا عن عنوان المجموعة §1986§؟ مها العتوم لا تقرأ العمل من أجل التسلية ، بل إنها ، تقرؤه من أجل تفكيكه واستنطاقه ، بتعبير ديريدا. لذلك ، ستقول عن هذا التحديد الزمنيّ إنه علامة على تجربة الإنسان حين يكون قد مرّ بالتجربتين معاً ، ومن المعروف أنّ سعود قبيلات عاش في السجن الحقيقيّ من عام 1979 حتى عام ,1983 (قصص عن رجل صار طحلباً) كانت المجموعة الأخيرة ، والتي تناولتها د. مها العتوم في دراستها ، وذهبت إلى أنّ الكاتب اعتمد في هذه المجموعة نمطاً جديداً آخر من القص ، يقرن الغرائبيّ بالواقعيّ ، وقالت إنّ الكاتب ، بذلك ، يقترب من الأسلوب الكافكاويّ ، ولكنه يبتعد عنه في الوقت ذاته. أمّا الثيمة التي وجدتها الشاعرة والناقدة تتكرر في المجموعات الخمس لفظاً أو معنىً أو لفظاً ومعنىً ، فهي ثيمة السجن ، وانتهت إلى القول إنّ هذه الثيمة اكتسبت كل مرة في كل مجموعة أبعاداً جديدة ، بتحولات الأساليب وأشكال الطرح. وستشير د. العتوم في هذا السياق إلى أنّ معالجة مفردة بعينها في تجربة الكاتب لا يهدف إلى انتزاعها من سياقها ، ولا للتأكيد على أهمية موضوعة دون أخرى ، وإنما ترمي القراءة إلى إلى مراقبة هذا المعنى ، وتقليب الصور التي يظهر من خلالها.








5118 ,Amman 11183, Jordan