في كل سنة دراسية مدرسة جديدة، بدايتها كانت في الخنساء عام 1935 مقابل بيتهم في شارع الشابسوغ عندما سجلتها والدتها في الصف الأول الابتدائي وهي المدرسة التي عادت اليها بعد سنوات لتعلم بها وفي ذاكرتها مدرستها سلوى نصير. ومن الخنساء إلى مدرسة ملحس أول طلوع جبل عمان حيث أكملت الثاني الابتدائي لتغادر مع شقيقها إلى طولكرم وسجلت في الصف الرابع مباشرة بعد فحص اجتازته بجدارة لتعود ثانية إلى عمان لمدرسة المطران سنة وأروى بنت الحارث سنة أيضا ومن الصف السادس عادت مع شقيقها الذي كان يعمل مع الجيش البريطاني الى فلسطين، ودرست الصف السابع في مدرسة بيت لحم بعدها تم اختيار الطالبات الأوائل من قبل لجنة من دائرة المعارف 1941 للدراسة في معهد معلمات رام الله حيث تخرجت عام 1943وتم تعيينها في بلدة الفالوجة قضاء غزة لمدة عام ومنها إلى مدرسة الشيخ مؤنس لمدة ثلاث سنوات ثم عادت إلى عمان.
في كل عام دراسي مدرسة جديدة ما تأثير ذلك على دراستك وشخصيتك؟
لم أتأثر كثيرا على العكس كنت في كل مدرسة أتعرف على زميلات جدد كما وأن السفر ما بين الأردن وفلسطين علمني الكثير وصقل شخصيتي فالعلم بالنسبة لي كان هدفي منذ الطفولة فأنا من عائلة اهتمت بتعليم أبنائها وبناتها أبا عن جد فوالدتي كانت في عام 1924 معلمة في مدرسة السلط، ووالدي خريج جامعة اسطنبول وقد تم تعيينه في عدة مدارس أستاذا ومديرا لعدة مدارس ، وأخي أبو ناصر أيضاً أستاذ مدرسة وأخي الآخر كان استاذا حيث أحببنا مهنة التدريس كرسالة تعليمية تربوية عظيمة .
محطات حياتك في سلك التربية والتعليم ، هل من فارق ما بين الأمس واليوم؟
لم يكن في زمننا شيء غريب أكثر من أننا كنا كتلاميذ ينصب جل اهتمامنا على الدراسة والمنافسة بالعلامات ،كما لم نكن نمارس هوايات أكثر من حصص التربية الرياضية والفن الذي كان منه الرسم والتطريز .. ما يمارس الآن في المدارس من أنشطة لم تكن في زماننا. أما بالنسبة للتدريس واسلوب التعليم أعتقد ان زماننا كان أفضل فالطالب لا يصل الصف الثاني الابتدائي إلا وهو يعرف تماما القراءة والكتابة والاملاء بشكل جيد فالتدريس كان أقوى والمعلم كان أكثر راحة وأقل مشاكل في تعامله مع التلاميذ كما كان الاحترام ما بين المعلم والتلميذ سيد الموقف إذا ما أضفنا الفرق في التعامل في العقاب والثواب ما بين الأمس واليوم.
كم عدد الطالبات التي كانت معك في دار المعلمات؟
عندما دخلت دار المعلمات كان معي من كل بلد الأولى في صفها، حيث كانت الأولى من بيت لحم والأولى من رام الله والأولى من القدس ومن يافا وحيفا ..الخ، كنا 13 طالبة في صف واحد، ومكثنا فيها ثلاث سنوات وكنت أسكن في سكن دار المعلمات السكن الداخلي وكانت والدتي متواجدة في القدس من أجلي تأتي لزيارتي صباح كل يوم جمعة.
تابعت دراستك وعملت لسنوات ففي أي عام تزوجت وهل تأخير سن الزواج كان أمرا طبيعيا في زمنكم؟
تزوجت في عام 1960 حيث كان عمري حوالي 29 سنة ولم يكن الأمر في هذا السوء علما ان هناك من كانت تتزوج في سن مبكرة 15 أو 16سنة لكن من كانت تريد ان تتعلم فالأهل قلما يجبرون الفتاة على الزواج طالما أنها مجتهدة وتريد متابعة دراستها خاصة إذا كانت الأسرة متعلمة كاسرتي التي آمنت بتعليم أبنائها كنهج حياة.
كيف تعرفتي على زوجك ؟
زوجي بدوي فائق القدومي عرفني من خلال جارة كنت مدرسة لبناتها في المدرسة فأخبرته عني وجاءت والدته وحصل النصيب.
كيف كانت العادات لطلب الفتاة للزواج؟
كانت والدة العريس تأتي لأهل العروس وترى الفتاة فإذا أعجبتها تطلبها لابنها.
موافقتك للزواج بناءً على ماذا؟
لم أكن صغيرة حيث تزوجت كما قلت في سن 29عاما وهذا يعني انني مدركة لما أنا مقدمة عليه فجلست معه قبل الزواج بوجود أهلي وتحدثنا في جلسة عادية فوجدت بأنه شخص مناسب ، وبعد سنة مدة خطبتنا تزوجنا.
كم كان المؤجل والمقدم ؟
المؤجل 300دينار وليرة ذهب مقدم.
ما أول هدية أحضرها لك خطيبك؟
علبة ماكياج، مع أنني لم أكن أحب وضع المساحيق على وجهي.
كيف قمت بالتجهيز للعرس؟
كنت أقوم بالذهاب إلى السوق أنا وزوجة أخي لشراء ما يلزمني للعرس فلم أكلف العريس أي شيء كنت أنا التي أدفع، لأنني كنت أخجل أن أطلب منه. وتزوجت في عمان في البيت فأيامنا لم تكن صالات الأفراح كما الآن.
لبست الفستان الأبيض لكنك لم تضعي المساحيق حتى يوم زفافك ماذا يعني ذلك؟
نعم لبست الفستان الأبيض ، لكن لم أذهب إلى الصالون، ففي يوم زفافنا كنت موجودة في المدرسة أقوم بوضع العلامات للطلبة وكانت المدعوات من أهل وأقارب وصديقات بانتظاري في المنزل وأنا ما زلت في المدرسة. فقمت بتدقيق العلامات وتوزيع الشهادات على الطالبات، وعدت إلى المنزل فوجدت أناسا كثيرين بانتظاري، فذهبت إلى بيت الجيران، ولبست فستان العرس ولم أضع المكياج لأنني لا أحب مساحيق على وجهي حتى في يوم زفافي فلا تستغربي فهذا الأمر لم يزعجني أبدا ولم اندم أنني لم افعل ذلك.
هل كنت لا أبالية؟
لا أسمي قيامي بواجبي تجاه مهنتي لا مبالاة، لأنه لا بد من ذلك وعلي عمله قبل الحفل حيث لم يكن هناك مجال لتأخير الفرح أو تقديمه ،كما ولا مجال لتأخير تدقيق علامات الطالبات أو تأخيرها.
هل كان هناك بطاقات دعوة للعرس على أيامكم؟
نعم كان هناك بطاقات وقد وزعت بطاقات عرسي قبل اسبوع من إقامة الحفل..وبعد العرس ذهبنا شهر عسل إلى مصر.
هل عدت لعملك في التدريس بعد الزواج؟
نعم استمررت في التعليم الذي بدأته قبل 66عاما أي من عام1943 منها اربع سنوات في فلسطين وتابعت في الأردن ولغاية الآن ما زلت في سلك التعليم مديرة مدرسة الحرمين بعد خدمة 28عاما في المدارس الحكومية.
ما طاقتك في التعليم، الذاكرة، القدرة الجسدية، البال الطويل بعد سن الثمانين؟
التعليم شيء مقدس عندي ولا اعتقد انني سأتخلى عنه مهما وصل بي العمر طالما انني في صحة جيدة والحمد لله .. فأنا أحب التعليم بشكل كبير لذلك استمد طاقتي منه ومن الطلاب الذين أتعامل معهم حتى أنني أشاركهم رياضتهم في حصة الرياضة .
وفي العطلة اشعر بملل حيث أنتظر موعد العودة من الإجازة الصيفيية أو الفصلية لأذهب إليها.
كم عندك من الأبناء والأحفاد؟
لم يرزقني الله بأبناء ولا تستغربي ان قلت انه بعد عشر سنوات من زواجنا عندما قطعت الأمل في الإنجاب عرضت على زوجي الزواج من أخرى وحصل ذلك وهو أب لأجمل الأبناء خلقا وخُلقا حفظهم الله.
بعد أن تزوج، هل ندمت على تشجيعه للزواج ؟
لا لم أندم فهذا حقه بأن يرزق بأبناء ولا يحق لي منع أوتحريم ما أحله الله وكل شيء في الحياة قسمة ونصيب.
ما أهم محطة مهمة في حياتك؟
أهم مرحلة في حياتي عندما تم تعييني معلمة، لأنني كنت أحب العلم والتدريس، وما زلت كذلك، وما زال نشاطي يزداد يوماً بعد يوم، فلم أتراجع عما كنت عليه أبدا بحمد الله.
ييأس ولا يستسلم وان العمر ليس عائقا لتقديم المزيد من العطاء طالما انه يستطيع .
هل لديك هوايات تمارسينها اضافة لحبك للتعليم؟
نعم .. أحب الرسم والتطريز والخياطة. وأحب المطالعة كثيراً، خاصة القصص والروايات.
متى تم تكريمك لأول مرة؟
في عام 1977 تسلمت وسام التربية والتعليم الذي قدمه لي الملك الحسين يرحمه الله.
ما سر رشاقتك؟
أسير مسافات طويلة يوميا، ولا أحاول أن أركب السيارة وإذا شعرت بالتعب أحاول أن استمر بالمشي حتى أنسى التعب. وأيضاً أقوم بممارسة الرياضة مع الطلاب في المدرسة.
خلال مشوارك التربوي الطويل هل حصل معك طرفة أو نهفة أو ما شابه؟
أذكر في أيامنا عندما كان يتم تعيين المعلمات صدر قرار بمنع تعيين المتزوجات نهائياً،وفي إحدى السنوات سمح المسؤولون للمتزوجات الاستمرار في التدريس، فأكثر المعلمات اللاتي لم يكن يردن الزواج تزوجن، وأنا كنت من جملتهن، وبعد زواجهن جاءالاستاذ (الشنقيطي) وكان وزيرا للمعارف حينها فعارض ممارسة المتزوجات لمهنة التعليم ، حيث أصبح ينقلهن لأماكن بعيدة من المملكة كأسلوب ضغط عليهن ليقدمن استقالتهن كالطفيلة و الكرك و معان، ومنهن أنا حيث تم نقلي إلى السلط، واذكر ان جميع المعلمات اللواتي نقلن إلى تلك المدن من والقرى قدمن استقالتهن لكنني رفضت ما أقدمن عليه ولم تعيقني المسافة من عمان الى السلط حيث كان ''السرفيس'' يقف أمام سوق ''مانكو'' ويذهب من موقعه إلى السلط وكنت وقتها أسكن في منطقة جبل الجوفة فأذهب مشيا من الجوفة إلى البلد وأركب السرفيس إلى السلط وأعود.
وماذا أيضا؟
في طفولتي لا انسى عام 1936 أصابني وجع في المعدة ووقتها كنت طالبة في الصف الرابع في مدرسة المطران عندما لعبت رياضة وضربت الكرة بقدمي، فشعرت بألم يقطع أوصالي وأصبحت استفرغ، فذهبت إلى المستشفى الطلياني،وكان المستشفى الوحيد اضافة لمستشفى ملحس ، فأحضروا لي زجاجة من '' الكازوز'' ، لكنني لم أستفد مما شربته ، فذهبت مع والدتي وشقيقي إلى القدس، وكانت في حالة إضراب . عندما وصلنا إلى باب القدس أوقفنا شخص إنجليزي فسألنا عن مكان ذهابنا ،فأخبرته والدتي بالأمر فأحضر حمارا، حيث كان ممنوعا على السيارات أن تسير بسبب الإضراب، وركبت عليه ومعي والدتي وشقيقي سار على قدميه وبقي معنا هذا الإنجليزي حتى أوصلنا إلى المستشفى الفرنساوي لئلا يتعرض لنا أحد في الطريق، ونمت بضعة أيام حيث قاموا بعمل تنظيفات لمعدتي هذه الحادثة تعني لي الكثير في حسن التعامل والانسانية بغض النظر عن جنسية الشخص وديناته غير ذلك.
هل تتذكرين مراهقتك؟
لم أعشها أبدا ولم أكن أشعر بأنني مراهقة، بل كنت أشعر بأنني إنسانة كبيرة، حتى أنني لم أكن أخرج للعب في الشارع، وكنت أقضي وقتي بقراءة الصحيفة أو الكتابة أو الرسم، فهكذا كانت طفولتي ومراهقتي ايضا.
هل كانت البنات في ذلك الوقت يصاحبن الشباب؟
لا .. لم يكن هذا الأمر موجود في زماننا لكنني أذكر عندما كنت معلمة جديدة في يافا جاءت زوجة أخي من عمان لزيارتنا فذهبت وإياها عند صديقة لي وهي معلمة اسمها زليخة الدسوقي، وعدنا متأخرين إلى البيت ، فوجدت أخي غضبان ينتظرنا على باب البيت،وأخبرته بأنه لم يكن السرفيس موجود فركبنا العربة التي يجرها الحصان، فلم يكن منه إلا أن ضرب زوجة أخي كفين وضربني كفا واحدا بسبب تأخيرنا لوقت المغرب.
فسألته زوجة أخي لماذا ضربت أختك كف واحد وأنا كفين وأنا ضيفة عندكم؟ فقال لها أختي ما زالت صغيرة وأنت كبيرة وكان يجب عليك أن تكوني أكثر تفهما منها لما يجب ان يكون.
ما النتيجة التي خرجت بها بعد 66عاما في مهنتك وما زلت على رأس عملك؟
من خبرتي الطويلة ومعاشرتي لمعلمات كثيرات.
خرجت بنتيجة أن الإنسان يجب عليه أن لا ييأس ولا يستسلم طالما انه يستطيع العطاء ، وان العمر ليس عائقا لتقديم المزيد طالما اننا نستطيع ذلك .








5118 ,Amman 11183, Jordan