حورية .. أشهر الأمهات رحلت عن (95) عاما

Printer Friendly, PDF & Email
image

اشهر الامهات في الشعر العربي الحديث رحلت مؤخرا انها (حورية) ام الشاعر الكبير محمود درويش وذلك في منتصف شهر شباط من هذا العام 2009 .. وكان ابنها محمود درويش وهو من اعظم شعراء المقاومة في العالم قد سبقها في الرحيل عن هذه الدنيا قبل حوالي 9 شهور في العام 2008 .
اما القصيد التي كتبها عاشق اللغة العربية الجميلة محمود درويش عن امه ووطنه وشعبه بعنوان (احن الى خبز امي) وغناها فيما بعد المغني الشهير مارسيل خليفة كان درويش قد كتبها في العام 1965 من وراء قضبان سجن الاحتلال الاسرائيلي بسبب نشاطاته الشعرية الوطنية وقد تحولت هذه القصيدة فيما بعد الى اشهر القصائد العربية المعاصرة حيث يقول فيها : احن الى خبز امي وقهوة امي ولمسة امي وتكبر فيّ الطفولة يوما على صدر يوم واعشق عمري لاني اذا مت اخجل من دمع امي خذيني اذا عدت يوما وشاحا لهدبك وغطي عظامي بعشب تعمل من طهر كعبك وشدي وثاقي بخصلة شعر بخيط يلوح في ذيل ثوبك ضعيني اذا ما رجعت وقودا بتنور نارك وحبل غسيل على سطح دارك حتى اشارك صغار العصافير درب الرجوع لعش انتظارك (حورية) ام محمود درويش وقبل عدة شهور وقبل ان يغارد ابنها البيت لاجراء عملية جراحية في قلبه رجته والحت عليه ان لا يعمل هذه العملية الخطيرة على حياته لكن الاطباء اكدوا انه لابد له من ذلك ولم يعد محمود درويش الى منزله حيث بيت امه في قريته (الجديدة) بعد ان كانت قريته الاولى (البروة) لم يعد الى منطقة الجليل بل عاد جثمانا عزيزا على كل فلسطين والعرب حيث دفن في رام الله وحورية والدته الكبيرة في المحبة والحنان والحزن الذي يغلف جسمها وروحها وبعمرها الذي تجاوز ال 95 عما لا تستطيع المشي فيضعونها على كرسي متنقل فهي العجوز الذي هدها ايضا الخبر الاليم موت ( محمود درويش) رغم ان لها ابناء اخرين : احمد وزكي ونصوحي لكن محمود فقد كان يرى والدته على فترات متقطعة ومتباعدة بسبب تنقله وهجراته العديدة ورحلت الام الشهيرة حورية وفي قلبها غصة رغم انها كانت مريضة قبل ذلك ألقت عليه نظراتها الاخيرة تودعه وكأنها تقول : لماذا تركتني يا ولدي ولقد قالت فعلا (راح قبلي راح وتركني ) لكنها لحقته على درب الحياة الاخرى ما بعد الممات.
والان لماذا كتب شاعر الوردة والنار هذه القصيدة السابقة عن أمه وعن جميع الامهات الفلسطينيات لذلك حكاية يرويها درويش نفسه ذات مرة قائلا : لقد كتبت هذه القصيدة (احن الى خبز امي) في سجن معصيان بجوار الرملة انا كان عندي مشكلة وانا صغير كنت اعتقد ان أمي لا تحبني وظلت هذه القناعة المرة عندي لاسباب معروفة وشائعة في البيوت العربية فانا الثاني في ترتيب اشقائي اخي الاكبر امي تحميه والاب يحمي الاصغر مني وانا ضائع وفي أي مشكلة كبيرة انا الذي ينزل عليه العقاب ابي كان رجلا خجولا جدا يخدم اولاده بصدق وكان ممن يرون ان التعبير عن الحنان هو حالة ضعف وبالتالي كنت الجأ الى جدي لابي ان ابي الحقيقي هو جدي .. وكبرت ولا اعرف ما اذا كانت عقدتي نحو امي لها علاقة بالاحساس ام لا المهم استمر الحال هكذا حتى سجنت وأول مرة زارتني امي في السجن احسست كلية انها تحبني كان احساسا مفاجئا ... ليس له مقدمات ... تأملت القصة كلها بعد لقائي بها في الزيارة ولم اجد اجمل من الاعتذار لها بكتابة القصيدة.
وتروي السيدة حورية ام اعظم شاعر معاصر وشاعر الانسانية جمعاء والذي كان يلقي اشعارا في منتديات فلسطين وهو صبي صغير بسروال قصير في التاسعة من عمره عندما اخذ ابنها يزورها بعد انقطاع طويل ما يلي : كان الصحفيون يجيئون الي من كل مكان ليصوروني وانا اخبز الارغفة مش محمود كان يقول في شعره ''احن الى خبز أمي'' يصورون الخبز هم يفكروا اني اخبز لهم لكي يصوروا ... والله انا كنت الاقيها فرصة لاخبز الارغفة التي يحبها محمود وكل ما كنت اخبز كنت افكر بمحمود كأني اخبز الخبز ليأكله لكن وين يا حسرتي ما عاد بقدر يأكل من خبز أمه .
وهكذا فقد كان (المتنبي) الجديد محمود درويش يحتل ذهن وتفكير ووجدان وقلق امه حورية فدائما هي مشتاقة له فقد كان حسرة كبرى ونقص دائم في حياتها فكيف عندما مات محمود ورحل الى الابد ! اما عن القهوة فان لمحمود درويش ولع خاص بالقهوة اذ يقول عن ذلك : كيف تكتب يد لا تبدع القوة القهوة لا تشرب على عجل القهوة اخت الوقت تحتسي على مهل القهوة صوت المذاق صوت الرائحة القهوة تأمل تغلغل في النفس والذكريات .
ومحمود درويش الشاعر الذي لم شمل الامة العربية حول قصائده وحول فلسطين التي اصبحت بفضل قصائدة على كل شفة ولسان ومحفل دولي وعالمي غنت له امه (حورية) قديما ما يلي عندما كانت تستقبله في زياراته لها في قريته في الجليل اذ انها كانت تزعرد وتهاهي وهي تغني قائلة : محمود درويش يا سفين يوم الحرب يا شمع مكة يا قمر ضاوي ع الدرب اطلع ع الخُطّاب يا قوي القلب اضرب بسيفك وعلي مشانق ع الدرب هذا وقد كان الشاعر محمود درويش قد ذكر اسم امه حورية (ام احمد ) صراحة فيما بعد في احدى قصائده بعنوان (وصايا حورية) في ديوانه الشعري المعروف ( لماذا تركت الحصان وحيداً).