في الثامن من هذا الشهر، احتفلت الاسرة الدولية باليوم العالمي للمرأة، وحتى نكون صادقين علينا الاعتراف بانه رغم الجهود التي يبذلها هذا البلد لرفع شأن المرأة الأردنية إلاّ أن الكثيرين وأنا واحد منهم تعوّدنا على المستوى الشخصي لقاء هذه المناسبة بمشاعر فاترة لا تحمل في معناها مع الأسف غير رفع عتب المرأة التي نكتب ونخطب ونقول بانها نصف المجتمع وحاضنة النصف الثاني، وعلينا الاعتراف ايضا بان الكثيرين لا يشعرون بقدوم يوم المرأة الا بعد القراءة عنه في صحف اليوم الثاني، يحدث ذلك معي كثيرا بالرغم من احترامي الدائم للمرأة وتعظيمي لها، ومع ذلك لا ادري كيف حملني يوم المرأة في هذا العام، وعاد بي اربعة اسابيع الى الوراء عندما استيقظت في الصباح على خبر وفاة ابن الجيران تغمده الله برحمته ورضوانه. لقد رحل ماهر عن هذه الدنيا ولم يكن قد مر على وفاة والده غير ايام قلائل، ومع ان الموت قَدرٌ ما منهُ مَفَرٌ، الا انني واهل بيتي اصابنا حزن شديد ليس فقط على رحيل هذا الشاب الطبيب المستوفي كل معايير المهنية والشهامة والخلق الكريم، بل حزنا اكثر على حالة زوجته التي ''طوى الزمان بساط عرسها'' وهي ما تزال في اول الطريق، ولست في هذه المقالة الا للحديث عن هذه السيدة المحترمة التي ذهبت بعيداً على طريق كل الاردنيات الوفيّات لأزواجهن.
لقد اصيب الدكتور ماهر قبل وفاته بفشل كلوي، فتسابق الجميع للتبرع له بكلية تضمن له مواجهة الحياة، الا ان زوجته اصرت ان تكون هي المتبرعة بهذه الكلية، وشاء قدر الله بعد ان نجحت العملية ان يصاب ماهر بنوبة قلبية اوردته المنيّة، فحُمِلَ الزوج إلى مثواه الأخير، وحُمِلتْ الزوجة لتجلس في بيت العزاء وغُرزُ عمليتها ما تزال متشبثة بجرحها الندي.
لقد رُويَ عن هذه السيدة الوفيّة قولها بما معناه ان اكبر عزاء لها في رحيل زوجها انها اودعت فيه قطعة من نفسها لتربط روحها بروحه الى ان يجمعها به رب العزة في جنات الخلد.
اكتب عن هذه السيدة العظيمة وما هي الا مثال واحد عن الاردنيات اللواتي لا تتردد الواحدة منهن في ان تفدي زوجها بنفسها وبخاصة اذا كان هذا الزوج مثل ''ماهر'' الذي ظل طوال عمره يقابل الوفاء بالوفاء.
هؤلاء هن الاردنيات اللواتي يحفظن في اعماق وجدانهن قول العلي العظيم: ''ومن آياته ان خلق لكم من أنفسكم ازواجا لتسكنوا اليها، وجعل بينكم مودةً ورحمة، إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون'' صدق الله العظيم.
اروي هذه الحكاية التي تتكرر كل يوم من لدن كل ابنة او ام او شقيقة او زوجة، ارويها لأخاطب بها أنفسنا، لعلنا نحن الرجال نجد فيها ما يجعلنا نتفكر بآيات الله، كما تتفكر بها زوجاتنا، لندرك ان المودة والرحمة التي تلتزم النساء باستحقاقاتها مطلوبة أيضاً من الرجال الذين مع الاسف لا يتردد البعض منهم في ممارسة العنف الأسري بحق أغلى وديعة اودعها الله بين ايديهم، كما لا يتورع آخرون ولو كانوا قليلين نسبيا عن جرجرتهن في ردهات المحاكم الشرعية وهم يعلمون ان ابغض الحلال عند الله الطلاق.
اعود للقول بان هذا البلد قطع وبحمد الله شوطا طويلا على طريق اعادة حقوق المرأة المنقوصة، الا اننا كأفراد ما زلنا نراوح مكاننا في جوانب نتردد في حسمها، ولم تتوفر لنا بعد، لا اقول الارادة السياسية او الاجتماعية فحسب بل والارادة النفسية التي تجعلنا مقتنعين تماما بان الحياة لن تستقيم لنا جميعا الا اذا توازنت كفتا ميزانها بين الرجل والمرأة.








5118 ,Amman 11183, Jordan