مثل كل فتيات جيلها من حق نور أن تحلم بـ"النور" ، من حقها أن تحلم باليوم الذي تبدد به ظلام عينيها ، من هنا بدأت الحكاية ، لطفلة هددها العمى على مدى ثمانية عشر عاما حين اكتشفت والدتها أن طفلتها الصغيرة تعاني من عدم القدرة على رؤية الأشياء القريبة .
ثمانية عشر عاما والوالده تهرع إلى نور صباحا تهزها لتوقظها من النوم ، السؤال الأول الذي تسأله الوالده لنور"هل تريني"خاصة وأن الاطباء كانوا قد أخبروها أن العمى بانتظار هذه الطفلة التي لا تكف عن السؤال عن عملية وعدت بها لكنها لم تجر بسبب ضيق ذات اليد .
الوالدة لا تملك الإجابه عن سؤال طفولي ظل يلاحق العائلة مفاده"متى العملية" ، الوالد يخبئ وجعه ويلوذ بالصمت ، الأخوات والأخوة يذهبون إلى زاوية بعيدة لأخذ قسط من البكاء ، قصة عائلة أردنية عذبها الوجع وهي ترى النور يذبل في عيني ابنتهم "نور نصيرات".
قبل ثلاث سنوات ونيف جاءت نور إلى صحيفة الدستور تقودها خطاها ويد الوالده الحانية تتوسل من يتبرع لها بأجرة عملية زراعة القرنية ، فنشرت الدستور قصتها ضمن سلسة حكايات لا يعرفها أحد ، ولأن الأمل لم ينقطع ولأن الخيرين في هذا البلد المعطاء كثر فقد بادرت شركة البوتاس العربية ممثلة بمديرها العام - آنذاك - عيسى أيوب بالتبرع بأجرة العملية وكلفتها كامله بعد أن اطلع على ما كتب في الصحيفة ليمثل ذلك جزءا من المسؤولية الاجتماعية للشركات والمؤسسات الوطنية ، وهنا تجدد الأمل لدى العائلة وكادت نور أن تطير من الفرح فقد جاء موعد"العملية"، من الآن فصاعدا لن تركض الوالده إلى فراش نور لتوقظها من النوم وتتأكد أن شيئا من البصر لا يزال موجودا في عينيها الصغيرتين ، من الآن فصاعدا ستعيش نور حياة الناس العاديين ، وتحقق أحلامها مثل كل الفتيات .
ولكن ، ولأن الفرحة لا تكتمل فقد بينت نتائج الفحوصات - آنذاك - ان الفتاه تعاني من مرض الرمد الربيعي الذي يمنع إجراء العملية ، ومن هذه النقطة بدأت معاناة جديدة قوامها الأدوية والعلاج وتبدد الأمل بالشفاء وغيرها وغيرها الكثير الكثير من الصعوبات ، لكن إصرار الوالده ووعي العائلة ممثلة بالأب والأبناء كان مبعث الامل المتجدد دائما ، لكن السؤال الذي ظل معلقا على مدى ما يزيد عن ثلاثة عشر عاما ظل هو السؤال ، والإجابة ظلت هي الإجابة ، والألم بقي هو الألم ، شيء واحد هو الذي تغير"الأمل"الذي ما فارق نور ولا تنازلت عن احتضانه عند النوم ، "الأمل بالله"أولا والأمل بالشفاء ثانيا .
بعد ثلاث سنوات من معاناة الأدوية ، وما يوازيها من انتقال شبه أسبوعي بين عمان وإربد ، وما بينهما من إنقطاع عن الدراسة ، ومن الليالي الطويلة التي عاشتها الوالده بالقرب من نور ، إلى أن قرر أطباء مستشفى ابن الهيثم أنه بالامكان الآن إجراء العملية .
كان شعور نور بالفرح لا يوصف ، وكانت فرحة الأم تفوق كل تصور ، أخيرا سيتم إجراء العملية بعد أن تبين أن نور تفقد ما تبقى من بصرها شيئا فشيئا حتى أصبحت - رغم تفوقها - غير قادرة على رؤية الكلمات في الكتب المدرسية .
يوم الأربعاء الماضي كان موعد العملية التي طال انتظارها ، كانت غرفة العمليات هي الطريق إلى الحياه من جديد ، وكان لبراعة الدكتور زيدون البيروني الذي أجرى العملية في مستشفى العيون التخصصي بمثابة من يبعث الأمل من جديد ، شعور لا يمكن وصفة لفتاه انتظرت العملية ثمانية عشر عاما ، وها هي تأتي ، اي فرح هذا ، أي حياه هذه وجرت العملية .
لقد تم إجراء العملية للعين اليسرى ، وأزيل القطن الطبي ليتبين أن العملية قد نجحت ، وتحدثت الوالده لتعبر عن فرحها ، أي فرح هذه ، ولأن من لا يشكر الناس لا يشكر الله فقد قدمت الوالده شكرها لكل من ساهم في إعادة النور إلى "نور"وعلى رأسهم مدير عام الشركة السابق عيسى ايوب ، وللمدير الحالي الدكتور محمد أبو حمور ، وللطاقم الطبي في المستشفى ، ولكل من ساهم في عمل الخير .
أما نور فقد عبرت عن كل شيء بشيء واحد"دمعات ذرفتها"كانت كافية أن تقول لنا كل ما في داخلها .








5118 ,Amman 11183, Jordan