خالتي ليلى أبو عناب

Printer Friendly, PDF & Email

ليس انحيازا لخالة من الخالات العامرات بالطيبة ، الناضحات محبة صافية رقراقة ، اللواتي يسند فينا ذلك الحنين الدؤوب الدائم لرائحة الأمهات الطيبات ، اللواتي سففن تراب الأرض ، ووطأن الشوك والحجارة لأجلنا ولأجل تعليمنا ، وغرس حب الحياة في نفوسنا. بل هو أيضاً انحياز أصيل ، ودائم للعلم وأصحابه ، ولكل محبيه الساعين إليه ما استطاعوا السبيل ، وتعظيما لمن يراه فرض عين من صرخة المهد الأولى ، وحتى اغماضة اللحد الأخيرة. فصباح الخير يا خالتي.

فحتى لو لم تكن هذه السيدة المثابرة خالتي (هي أخت أمي بالرضاعة) ، فقد رأيت أن من واجبي كإنسان ، عرف عن قرب حرصها الدؤوب على العلم ، أن أشير إليها بالتقدير والاعتزاز. هذه السيدة ، التي وبعدما فرغت من تكبير أبنائها ، وتعليمهم تعليما عالياً ، وتسليحهم بالإصرار وحب العمل والحياة ، كشفت عن جمرة كانت خبيئة في رمادها ، جمرة لم تبرد يوماً وظلت وهاجة بحب العلم ، هذه السيدة عادت بعد أزيد من أربعة عقود من الانقطاع ، عادت لتدرس طالبة مجدة ، وتقدم امتحان الثانوية العامة ، بكل أمل وأفق رحيب.

وإذا كانت نتائج الثانوية ستحتاج لثلاثة أسابيع ، كي نعرف الناجحين ، فلن نحتاج لأكثر من ثوان قليلة لنقر بكل المقاييس ، بأنها قد نجحت نجاحا يستحق الإشادة والإعجاب ، ليس من باب التشجيع ، بل من باب أن المحاولة بعد كل هذا الغياب هي نجاح في حد ذاتها ، وأن طرق باب العلم ، حتى في مثل هذا العمر ، هو نجاح أكيد ، وأن تحمل تهكم بعض الناس قصيري النظر اللاهجين بمقولة حمقاء (بعد ما شاب ودوه عالكتاب) ، إن تحمل هذا التهكم الساذج ، هو نجاح وأكبر نجاح.

أتذكرها عندما كنا في الثانوية العامة ، فابنها صديقي وزميلي ، وحينما كنا ندرس في بيتهم أحياناً ، كانت كلماتها تملؤنا اصرارا ، ونظراتها تشحننا ، وتجيشنا وتعبئنا بروح قتالية ، وتهمز فينا كل كسل يتسلل إلينا ، كانت تمدنا بالدعم المعنوي ، الذي لا بد ويرافقه كثير من الدعم اللوجستي ، المتمثل بفناجين القهوة ، وأكواب الشاي ، وشطائر الزيت والزعتر.

الآن ، وبعد عشرين سنة ، كان عليَّ أستعيد ذلك التصميم ، الذي كان مخبوءا في رنين صوتها. فصباح الخير ، أيتها الخالة الرائعة (أم حسين). إني أشعر بالفخر.